الاستدلال بآیة النفر علی حجیة الخبر
فَإن قُلتَ: اَلمُرادُ بِالنَّفَرِ اَلنَّفَرُ إلَى الجِهادِ، كَما يَظهَرُ مِن صَدرِ الآيَةِ وَ هُوَ قَولُهُ تَعالى: (وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً)، وَ مِنَ المَعلُومِ أنَّ النَّفَرَ إلَى الجَهادِ لَيسَ لِلتَّفَقُّهِ وَ الإنذارِ.
نَعَم رُبَّما يَتَرَتَّبانِ عَلَيهِ، بِناءً عَلى ما قيلَ: مِن أنَّ المُرادَ حُصُولُ البَصيرَةِ فِي الدّينِ مِن مُشاهَدَةِ آياتِ اللّهِ وَ ظُهُورِ أَولِيائِهِ عَلى أعدائِهِ وَ سائِرِ ما يَتَّفِقُ في حَربِ المُسلِمينَ مَعَ الكُفّارِ مِن آياتِ عَظَمَةِ اللّهِ وَ حِكمَتِهِ، فَيُخبِرُوا بِذلِكَ عِندَ رُجُوعِهِم إلَی الفِرقَةَ المُتَخَلِّفَةَ الباقِيَةَ فِي المَدينَةِ؛ فَالتَّفَقُّهُ وَ الإنذارُ مِن قَبيلِ الفائِدَةِ، لا الغايَةِ حَتّى یَجِبَ بِوُجُوبِ ذيها.
قُلتُ: أوَّلاً: إنَّهُ لَيسَ في صَدرِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفرُ إلَى الجِهادِ، وَ ذِكرُ الآيَةِ في آياتِ الجَهادِ لايَدُلُّ عَلى ذلِكِ.
وَ ثانِياً: لَو سُلِّمَ أنَّ المُرادَ النَّفرُ إلَى الجَهادِ، لكِن لايَتَعَيَّنُ أن يَكُونَ النَّفرُ مِن كُلِّ قَومٍ طائِفَةً لِأجلِ مُجَرَّدِ الجِهادِ؛ بَل لَو كانَ لِمَحضِ الجَهادِ لَم يَتَعَيَّن أن يَنفِرَ مِن كُلِّ قَومٍ طائِفَةٌ، فَيُمكِنُ أن يَكُونَ التَّفَقُّهُ غايَةً لِإيجابِ النَّفرِ عَلى طائِفَةٍ مِن كُلِّ قَومٍ، لا لِإيجابِ أصلِ النَّفرِ.
ظهور الآیة في وجوب التفقه
وَ ثالِثاً: إنَّهُ قَد فُسِّرَ الآيَةُ بِأنَّ المُرادَ نَهيُ المُؤمِنينَ عَن نَفرِ جَميعِهغم إلَى الجِهادِ ؛ كَما يَظهَرُ مِن قَولِهِ: (وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) ، وَ أمرُ بَعضِهِم بِأن يَتَخَلَّفُوا عِندَ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ لا يُخَلُّوهُ وَحدَهُ، فَيَتَعَلَّمُوا مَسائِلَ حَلالِهِم وَ حَرامِهِم حَتّى يُنذِرُوا قَومَهُم النّافِرينَ إذا رَجَعُوا إلَيهِم.