توضیح المناقشة الرابعة في الوجه الثاني
توضيح ما ذكرنا: أنّا نفرض المشتبهات التي علم إجمالاً بوجود الواجبات الكثيرة فيها بين مظنونات الوجوب و مشكوكات الوجوب و موهومات الوجوب، و كان الإتيان بالكلّ عسراً أو قام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط في الجميع، تعيّن تركُ الاحتياط و إهماله في موهومات الوجوب، بمعنى أنّه إذا تعلّق ظنّ بعدم الوجوب لم يجب الإتيان.
و ليس هذا معنى حجّيّة الظنّ؛ لأنّ الفرق بين المعنى المذكور و هو أنّ مظنون عدم الوجوب لا يجب الإتيان به، و بين حجّيّة الظنّ بمعنى كونه في الشريعة معياراً لامتثال التكاليف الواقعيّة نفياً و إثباتاً-
و بعبارةٍ اُخرى: الفرق بين تبعيض الاحتياط في الموارد المشتبهة و بين جعل الظنّ فيها حجّةً- هو: أنّ الظنّ إذا كان حجّةً في الشرع كان الحكم في الواقعة الخالية عنه الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل في تلك الواقعة من دون التفاتٍ إلى العلم الإجماليّ بوجود التكاليف الكثيرة بين المشتبهات؛ إذ حال الظنّ حينئذٍ كحال العلم التفصيليّ و الظنّ الخاصّ بالوقائع، فيكون الوقائع بين المعلومة الوجوب تفصيلاً أو ما هو بمنزلة المعلوم، و بين مشكوك الوجوب رأساً.
و أمّا إذا لم يكن الظنّ حجّةً- بل كان غاية الأمر بعد قيام الإجماع و نفي الحرج على عدم لزوم الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة التي عُلم إجمالاً بوجود التكاليف بينها، عدمَ وجوب الاحتياط بالإتيان بما ظُنّ َعدم وجوبه؛ لأنّ ملاحظة الاحتياط في موهومات الوجوب خلاف الإجماع و موجبٌ للعسر- كان اللازم في الواقعة الخالية عن الظنّ الرجوع إلى ما يقتضيه العلم الإجماليّ المذكور من الاحتياط؛ لأنّ سقوط الاحتياط في سلسلة الموهومات لا يقتضي سقوطه في المشكوكات؛ لاندفاع الحرج بذلك.
و حاصل ذلك: أنّ مقتضى القاعدة العقليّة و النقليّة لزوم الامتثال العلميّ التفصيليّ للأحكام و التكاليف المعلومة إجمالاً، و مع تعذّره يتعيّن الامتثال العلميّ الإجماليّ و هو الاحتياط المطلق، و مع تعذّره لو دار الأمر بين الامتثال الظنّي في الكلّ و بين الامتثال العلميّ الإجماليّ في البعض و الظنّي في الباقي، كان الثاني هو المتعيّن عقلا ًو نقلاً.
ففيما نحن فيه إذا تعذّر الاحتياط الكلّي، و دار الأمر بين إلغائه بالمرّة و الاكتفاء بالإطاعة الظنّيّة، و بين إعماله في المشكوكات و المظنونات و إلغائه في الموهومات، كان الثاني هو المتعيّن.