الکلام في المناقشة الوجه الرابع
وَ قَد أُشيرَ فِي الكتِابِ وَ السُّنَّةِ إِلى الِجهَتَينِ:
فَمِمّا أُشيرَ فِيهِ إِلى الأُولى قَولُهُ تَعالى: «قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ»بِالتَّقريبِ المُتَقَدِّمِ، وَ قَولُهُ عليه السّلام: «رَجُلٌ قَضى بِالحَقِّ وَ هُوَ لا يَعلَمُ» .
وَ مِمّا أُشيرَ فِيهِ إِلى الثّانِيَةِ قَولُهُ تَعالى: «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً»، وَ قَولُهُ عليه السّلام: «مَن أَفتىَ النّاسَ بِغَيرِ عِلمٍ كانَ ما يُفسِدُهُ أَكثَرَ مِمّا يُصلِحُهُ».
ثُمَّ إِنَّ ما ذَكَرنا مِنَ الحُرمَةِ مِن جِهَتَينِ مَبنِيٌّ عَلى ما هُوَ التَّحقيقُ:
مِن أَنَّ اعتِبارَ الأُصُولِ- لَفظِيَّةً كانَت أَو عَمَلِيَّةً- غَيرُ مُقَيَّدٍ بِصُورَةِ عَدَمِ الظَّنِّ عَلى خِلافِها، وَ أَمّا إِذا قُلنا بِاشتِراطِ عَدَمِ كَونِ الظَّنِّ عَلى خِلافِها، فَلِقائِلٍ أَن يَمنَعَ أَصالَةَ حُرمَةِ العَمَلِ بِالظَّنِّ مُطلَقاً، لا عَلى وَجهِ الاِلتِزامِ وَ لا عَلى غَيرِهِ.
أَمّا مَعَ عَدَمِ تَيَسُّرِ العِلمِ فِي المَسأَلَةِ؛ فَلِدَوَرانِ الأَمرِ فِيها بَينَ العَمَلِ بِالظَّنِّ وَ بَينَ الرُّجُوعِ إِلى الأَصلِ المَوجُودِ فِي تِلكَ المَسأَلَةِ عَلى خِلافِ الظَّنِّ، وَ كَما لا دَليلَ عَلى التَّعَبُّدِ بِالظَّنِّكَذلِكَ لا دَليل عَلى التَّعَبُّدِ بِذلِكَ الأَصلِ؛ لِأَنَّهُ المَفرُوضُ، فَغايَةُ الأَمرِ التَخيِيرُ بَينَهُما، أَو تَقديمُ الظَّنِّ؛ لِكَونِهِ أَقرَبَ إِلى الواقِعِ، فَيَتَعَيَّنُ بِحُكمِ العَقلِ.
وَ أَمّا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ العِلمِ فِي المَسأَلَةِ؛ فَلأَنّ َغَدَمَ جَوازِ الاِكتِفاءِ فِيها بِتَحصيلِ الظَّنِّ وَ وُجُوبُ تَحصيلِ اليَقينِ، مَبنِيٌّ عَلى القَولِ بِوُجُوبِ تَحصيلِ الواقِعِ عِلماً، أَمّا إِذا أُدُّعِيَ أَنَّ العَقلَ لا يَحكُمُ بِأَزيَدَ مِن وُجُوبِ تَحصيلِ الظَّنِّ، وَ أَنَّ الضَّرَرَ المُوهُومَ لا يَجِبُ دَفعُهُ، فَلا دَليلَ عَلى لُزُومِ تَحصيلِ العِلمِ مَعَ التَّمَكُّنِ.
ثُمَّإِنَّهُ رُبَّما يُستَدلُّ عَلى أَصالَةِ حُرمَةِ العَمَلِ بِالظَّنِّ بِالآياتِ النّاهِيَةِ عَنِ العَمَلِ بِالظَّنِّ، وَ قَد أَطالُوا الكَلامَ فِي النَّقضِ وَ الإِبرامِ فِي هَذا المَقامِ بِما لا ثَمَرَةَ مُهَمِّةَ فِي ذِكرِهِ بَعدَ ما عَرفتَ.