3- العلم الاجمالي بوجود الواجبات و المحرمات
فإن قلت: إذا فرضنا أنّ ظنّ المجتهد أدّى في جميع الوقائع إلى ما يوافق البراءة، فما تصنع؟
قلت:
أوّلاً: إنّه مستحيل؛ لأنّ العلم الإجماليّ بوجود الواجبات و المحرّمات الكثيرة في جملة الوقائع المشتبهة يمنع عن حصول الظنّ بعدم وجوب شيءٍ من الوقائع المحتملة للوجوب و عدم حرمة شيءٍ من الوقائع المحتملة للتحريم؛ لأنّ الظنّ بالسالبة الكلّيّة يناقض العلمَ بالموجبة الجزئيّة، فالظنّ بأنّه «لا شخص من العلماء بفاسق» يناقض العلم إجمالاً بأنّ «بعض العلماء فاسقٌ».
و ثانياً: إنّه على تقدير الإمكان غير واقع؛ لأنّ الأمارات التي يحصّل المجتهد منها الظنّ في الوقائع لا یخلو عن الأخبار المتضمّن كثيرٌ منها لإثبات التكليف وجوباً و تحريماً، فحصول الظنّ بعدم التكليف في جميع الوقائع أمرٌ يُعلَم عادةً بعدم وقوعه.
و ثالثاً: لو سلّمنا وقوعه، لكن لا يجوز حينئذٍ العمل بعدم التكليف في جميع الوقائع؛ لأجل العلم الإجماليّ المفروض؛ فلا بدّ حينئذٍ من التبعيض بين مراتب الظنّ بالقوّة و الضعف، فيعمل في موارد الظنّ الضعيف بنفي التكليف بمقتضى الاحتياط، و في موارد الظنّ القويّ بنفي التكليف بمقتضى البراءة، و لو فرض التسوية في القوّة و الضعف كان الحكم كما لو لم يكن ظنٌّ في شيءٍ من تلك الوقائع: من التخيير إن لم يتيسّر لهذا الشخص الاحتياط، و إن تيسّر الاحتياط تعيّن الاحتياط في حقّ نفسه و إن لم يجز لغيره تقليده، و لكنّ الظاهر أنّ ذلك مجرّد فرضٍ غير واقع؛ لأنّ الأمارات كثيرةٌ منها مثبتةٌ للتكليف، فراجع كتب الأخبار.