توهم و دفع
و اندفع بما ذكرنا أيضاً: ما ربما يتوهّم، من التنافي بين التزام بقاء التكليف في الوقائع المجهولة الحكم و عدم ارتفاعه بالجهل و بين التزام العمل بالظنّ؛ نظراً إلى أنّ التكليف بالواقع لو فرض بقاؤه فلا يُجدي غير الاحتياط و إحراز الواقع في امتثاله
توضيح الاندفاع: أنّ المراد من بقاء التكليف بالواقع نظير التزام بقاء التكليف فيما تردّد الأمر بين محذورين من حيث الحكم أو من حيث الموضوع بحيث لا يمكن الاحتياط، فإنّ الحكم بالتخيير لا ينافي التزام بقاء التكليف فيقال: إنّ الأخذ بأحدهما لا يُجدي في امتثال الواقع؛ لأنّ لمراد ببقاء التكليف عدم السقوط رأساً بحيث لا يعاقب عند ترك المحتملات[240] كلاً، بل العقل يستقلّ باستحقاق العقاب عند الترك رأساً، نظير جميع الوقائع المشتبهة.
فیما نحن فيه نظير اشتباه الواجب بين الظهر و الجمعة في يوم الجمعة بحيث يقطع بالعقاب بتركهما معاً، مع عدم إمكان الاحتياط أو كونه عسراً قد نصّ الشارع على نفيه، مع وجود الظنّ بأحدهما ، فإنّه يدور الأمر بين العمل بالظنّ و التخيير و العمل بالموهوم، فإنّ إيجاب العمل بكلّ من الثلاثة و إن لم يُحرَز به الواقع، إلّا أنّ العمل بالظنّ أقرب إلى الواقع من العمل بالموهوم و التخيير، فيجب عقلاً، فافهم.
و لا فرق في قبح طرح الطرف الراجح و الأخذ بالمرجوح بين أن يقوم على المرجوح ما يحتمل أن يكون طريقاً معتبراً شرعاً، و بين أن لا يقوم؛ لأنّ العدول عن الظنّ إلى الوهم قبيحٌ و لو باحتمال كون الطرف الموهوم واجب الأخذ شرعاً؛ حيث قام عليه ما يحتمل كونه طريقا.
نعم، لو قام على الطرف الموهوم ما يظنّ كونه طريقاً معتبراً شرعيّاً، و دار الأمر بين تحصيل الظنّ بالواقع و بين تحصيل الظنّ بالطريق المعتبر الشرعيّ، ففيه كلامٌ سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
حاصل الکلام بعد المقدمات الاربع
و الحاصل: أنّه بعد ما ثبت- بحكم المقدّمة الثانية- وجوب التعرّض لامتثال المجهولات بنحوٍ من الأنحاء و حرمة إهمالها و فرضها كالمعدوم، و ثبت- بحكم المقدّمة الثالثة - عدم وجوب امتثال المجهولات بالاحتياط، و عدم جواز الرجوع في امتثالها إلى الاُصول الجارية في نفس تلك المسائل، و لا إلى فتوى من يدّعي انفتاح باب العلم بها: تعيّن وجوب تحصيل الظنّ بالواقع فيها و موافقته، و لا يجوز قبل تحصيل الظنّ الاكتفاء بالأخذ بأحد طرفي المسألة، و لا بعدَ تحصيل الظنّ الأخذُ بالطرف الموهوم؛ لقبح الاكتفاء في مقام الامتثال بالشكّ و الوهم مع التمكّن من الظنّ، كما يقبح الاكتفاء بالظنّ مع التمكّن من العلم، و لا يجوز أيضاً الاعتناء بما يحتمل أن يكون طريقاً معتبراً مع عدم إفادته للظنّ؛ لعدم خروجه عن الامتثال الشكّي أو الوهمي.
هذا خلاصة الكلام في مقدّمات دليل الانسداد المنتجة لوجوب العمل بالظنّ في الجملة.