المناقشة الخامسة في کلام صاصب الفصول
و خامساً: سلّمنا العلم الإجماليّ بوجود الطريق المجعول و عدم المتيقّن و عدم وجوب الاحتياط، لكن نقول: إنّ ذلك لا يوجب تعيين العمل بالظنّ في مسألة تعيين الطريق فقط بل هو مجوّزٌ له، كما يجوز العمل بالظنّ في المسألة الفرعيّة؛ و ذلك لأنّ الطريق المعلوم نصبه إجمالاً: إن كان منصوباً حتّى حال انفتاح باب العلم فيكون هو في عرض الواقع مُبرءاً للذمّة بشرط العلم به، كالواقع المعلوم.
مثلاً: إذا فرضنا حجّيّة الخبر مع الانفتاح تخيّر المكلّف بين امتثال ما علم كونه حكماً واقعيّاً بتحصيل العلم به، و بين امتثال مؤدّى الطريق المجعول الذي علم جعله بمنزلة الواقع، فكلُّ من الواقع و مؤدّى الطريق مبرءٌ مع العلم به، فإذا انسدّ باب العلم التفصيليّ بأحدهما تعيّن الآخر، و إذا انسدّ باب العلم التفصيليّ بهما تعيّن لعمل فيهما بالظنّ، فلا فرق بين الظنّ بالواقع و الظنّ بمؤدّى الطريق في كون كلّ واحدٍ امتثالاً ظنّياً.
و إن كان ذلك الطريق منصوباً عند انسداد باب العلم بالواقع، فنقول: إنّ تقديمه حينئذٍ على العمل بالظنّ إنّما هو مع العلم به و تميّزه عن غيره؛ إذ حينئذٍ يحكم العقل بعدم جواز العمل بمطلق الظنّ مع وجود هذا الطريق المعلوم؛ إذ فيه عدولٌ عن الامتثال القطعي إلى الظنّي و کذا مع العلم الاجمالي؛ بناءً علی أنّ الامتثال التفصیليّ مقدّم علی الاجماليّ أو لأنّ الاحتیاط یوجب الحرج المؤدّي إلی الاختلال، أمّا مع انسداد باب العلم بهذا الطريق و عدم تميّزه عن غيره إلّا بإعمال مطلق الظنّ، فالعقل لا يحكم بتقديم إحراز الطريق بمطلق الظنّ على إحراز الواقع بمطلق الظنّ.
و كأنّ المستدلّ توهّم: أنّ مجرّد نصب الطريق- و لو مع عروض الاشتباه فيه- موجبٌ لصرف التكليف عن الواقع إلى العمل بمؤدّى الطريق، كما ينبئ عنه قوله و حاصل القطعين إلى أمرٍ واحد، و هو التكليف الفعليّ بالعمل بمؤدّيات الطرق.
و سيأتي مزيد توضيحٍ لاندفاع هذا التوهّم إن شاء اللّه تعالى.