الوجه الاول في مخالفة العامة كون المخالف أبعد من التقية
أحدهما: كون المخالف أبعد من التقية، كما علّل به الشيخ و المحقّق ، فيستفاد منه اعتبار كلّ قرينة خارجيّة توجب أبعديّة
أحدهما عن خلاف الحقّ و لو كانت مثل الشهرة و الاستقراء، بل يستفاد منه: عدم اشتراط الظنّ في الترجيح، بل يكفي تطرّق احتمال غير بعيد في أحد الخبرين بعيد في الآخر، كما هو مفاد الخبر المتقدّم الدالّ على ترجيح ما لا ريب فيه على ما فيه الريب بالإضافة إلى معارضه.
لكنّ هذا الوجه لم ينصّ عليه في الأخبار، و إنّما هو شيء مستنبط منها، ذكره الشيخ و من تأخّر عنه . نعم في رواية عبيد بن زرارة:
«ما سمعت منّي يشبه قول الناس ففيه التقيّة، و ما سمعت منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه ».
الوجه الثاني في مخالفة العامة كون المخالف أقرب من حيث المضمون إلى الواقع
الثاني: كون المخالف أقرب من حيث المضمون إلى الواقع.
و الفرق بين الوجهين: أنّ الأوّل كاشف عن وجه صدور الخبر، و الثاني كاشف عن مطابقة مضمون أحدهما للواقع.
و هذا الوجه منصوص في الأخبار، مثل: تعليل الحكم المذكور فيها بقولهم عليهم السّلام : «فإنّ الرشد في خلافهم» ، و «ما خالف العامّة ففيه الرشاد» ؛ فإنّ هذه القضيّة قضيّة غالبيّة لا دائمة، فيدلّ على أنّه يكفي في الترجيح الظنّ بكون الرشد في مضمون أحد الخبرين.
و يدلّ على هذا التعليل أيضا: ما ورد في صورة عدم وجدان المفتي بالحقّ في بلد، من قوله: «ائت فقيه البلد فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه؛ فإنّ الحقّ فيه» .
و أصرح من الكلّ في التعليل بالوجه المذكور: مرفوعة أبي إسحاق الأرجانيّ إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قال عليه السّلام: «أ تدري لم امرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله العامّة؟ فقلت: لا أدري، فقال: إنّ عليّا عليه السّلام لم يكن يدين اللّه بدين إلّا خالف عليه الامّة إلى غيره؛ إرادة لإبطال أمره، و كانوا يسألون أمير المؤمنين عليه السّلام عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم بشيء جعلوا له ضدّا من عند أنفسهم ليلبسوا على الناس»
و يصدّق هذا الخبر سيرة أهل الباطل مع الأئمّة عليهم السّلام على هذا النحو تبعا لسلفهم، حتّى أنّ أبا حنيفة حكي عنه أنّه قال: خالفت جعفرا في كلّ ما يقول أو يفعل، لكنّي لا أدري هل يغمض عينيه أو يفتحهما في السجود.
و الحاصل: أنّ تعليل الأخذ بخلاف العامّة في هذه الروايات بكونه أقرب إلى الواقع- حتّى أنّه يجعل دليلا مستقلّا عند فقد من يرجع إليه في البلد- ظاهر في وجوب الترجيح بكلّ ما هو من قبيل هذه الأمارة في كون مضمونه مظنّة الرشد، و إذا انضمّ هذا الظهور إلى الظهور الذي ادّعيناه في روايات الترجيح بالأصدقيّة و الأوثقيّة، فالظاهر أنّه يحصل من المجموع دلالة لفظيّة تامّة.