ما دعا اصحابنا الی العمل بکل ما یوجب رجحان احد الخبر
و لعلّ هذا الظهور المحصّل من مجموعالأخبار العلاجيّة هو الذي دعا أصحابنا إلى العمل بكلّ ما يوجب رجحان أحد الخبرين على الآخر، بل يوجب في أحدهما مزيّة مفقودة في الآخر و لو بمجرّد كون خلاف الحقّ في أحدهما أبعد منه في الآخر، كما هو كذلك في كثير من المرجّحات.
فما ظنّه بعض المتأخّرينمن أصحابنا على العلّامة و غيره قدّست أسرارهم: من متابعتهم في ذلك طريق العامّة، ظنّ في غير المحلّ.
القول بوجوب الترجیح و دلیله
ثمّ إنّ الاستفادة التي ذكرناها إن دخلت تحت الدلالة اللفظيّة، فلا إشكال في الاعتماد عليها، و إن لم يبلغ هذا الحدّ- بل لم يكن إلّا مجرّد الإشعار- كان مؤيّدا لما ذكرناه من ظهور الاتّفاق، فإن لم يبلغ المجموع حدّ الحجّية فلا أقلّ من كونها أمارة مفيدة للظنّ بالمدّعى، و لا بدّ من العمل به؛ لأنّ التكليف بالترجيح بين المتعارضين ثابت؛ لأنّ التخيير في جميع الموارد و عدم ملاحظة المرجّحات يوجب مخالفة الواقع في كثير من الموارد؛ لأنّا نعلم بوجوب الأخذ ببعض الأخبار المتعارضة و طرح بعضها معيّنا، و المرجّحات المنصوصة في الأخبار غير وافية، مع أنّ تلك الأخبار معارض بعضها بعضا، بل بعضها غير معمول به بظاهره، كمقبولة ابن حنظلة المتضمّنة لتقديم الأعدليّة على الشهرة و مخالفة العامّة و موافقة الكتاب.
و حاصل هذه المقدّمات: ثبوت التكليف بالترجيح، و انتفاء المرجّح اليقينيّ، و انتفاء ما دلّ الشرع على كونه مرجّحا، فينحصر العمل في الظنّ بالمرجّح ؛ فكلّ ما ظنّ أنّه مرجّح في نظر الشارع وجب الترجيح به؛ و إلّا لوجب ترك الترجيح أو العمل بما ظنّ من المتعارضين أنّ الشارع مرجّح غيره عليه، و الأوّل مستلزم للعمل بالتخيير في موارد كثيرة نعلم التکلیف بوجوب الترجيح، و الثاني ترجيح للمرجوح على الراجح في مقام وجوب البناء- لأجل تعذّر العلم- على أحدهما، و قبحه بديهيّ؛ و حينئذ: فإذا ظنّنا من الأمارات السابقة أنّ مجرّد أقربيّة مضمون أحد الخبرين إلى الواقع مرجّح في نظر الشارع تعيّن الأخذ به.