الناقشة في الاستدلال بآیة حلیة الاکل
إِلَّا أَنَّ دَلَالَتِهَا مَوهُونَةٌ مِن جِهَةٍ اُخرَى، وَ هِيَ: أَنَّ ظَاهِرَ المَوصُولِ العُمُومِ، فَالتَوبِيخُ عَلَى الاِلتِزَامِ بِتَركِ الشَيءِ مَعَ تَفصِيلِ جَمِيعِ المُحَرَّمَاتِ الوَاقِعِيَّةِ وَ عَدَمِ كَونِ المَترُوكِ مِنهَا، وَ لَا رَيبَ أَنَّ اللَازِمَ مِن ذَلِكَ، العِلمُ بِعَدَمِ كَونِ المَترُوكِ مُحَرَّماً وَاقِعِيّاً، فَالتَوبِيخُ فِي مَحَلِّهِ.
وَ الإِنصَافُ مَا ذَكَرنَا: مِن أَنَّ الآيَاتَ المَذكُورَةَ لَا تَنهَضُ عَلَى إِبطَالِ القَولِ بِوُجُوبِ الاِحتِيَاطِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَدلُولِ الدَالِّ مِنهَا هُوَ عَدَمُ التَكلِيفِ فِيمَا لَم يُعلَم خُصُوصاً أَو عُمُوماً بِالعَقلِ أَوِ النَقلِ، وَ هَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ لِأَحَدِ، وَ إِنَّمَا أَوجَبَ الاِحتِيَاطَ مَن أَوجَبَهُ بِزَعمِ قِيَامِ الدَلِيلِ العَقَلِي أَو النَقلِي عَلَى وُجُوبِهِ، فَاللَازِمُ عَلَى مُنكِرِهِ رَدُّ ذَلِكَ الدَلِيلُ أَو مُعَارِضَتُهُ بِمَا يَدلّ عَلَى الرُخصَةِ وَ عَدَمِ وُجُوبِ الاِحتِيَاطِ فِي مَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَ أَمَّا الآيَاتُ المَذكُورَةُ فَهِيَ- كَبَعضِ الأَخبَارِ الآتِيَةِ- لَا تَنهَضُ بِذَلِكَ؛ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَو فُرِضَ أَنَّهُ وَرَدَ بِطَرِيقٍ مُعتَبَرٍ فِي نَفسِهِ أَنَّهُ يَجِبُ الاِحتِيَاطُ فِي كُلِّ مَا يَحتَمِلُ أَن يَكُونَ قَد حَكَمَ الشَارِعُ فِيهِ بِالحُرمَةِ، لَم يَكُن يُعَارِضُهُ شَيءٌ مِنَ الآيَاتِ المَذكُورَةِ.
الاستدلال علی البراءة بالسنة
وَ أَمَّا السُنَّةُ: فَيُذكَرُ مِنهَا فِي المَقَامِ أَخبَارٌ كَثِيرَةٌ:
الاستدلال بحدیث الرفع
مِنهَا: اَلمَروِيُّ عَنِ النَبِيّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ فِي الخِصَالِ، كَمَا عَنِ التَوحِيدِ: «رُفِعَ عَن اُمَّتِي تِسعَةٌ: الخَطأُ، وَ النِسيَانُ، وَ مَا استُكرِهُوا عَلَيهِ، وَ مَا لَا يَعلَموُنَ، وَ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَ مَا اضطُرُّوا إِلَيهِ ... الخَبَر».
تقریب الاستدلال بحدیث الرفع
فَإِنَّ حُرمَةَ شُربِ التُتُنِ- مَثَلاً- مِمَّا لَا يَعلَمُونَ، فَهِيَ مَرفُوعَةٌ عَنهُم، وَ مَعنَى رَفعِهَا- كَرَفعِ الخَطَأِ وَ النِسيَانِ- رَفعُ آثَارِهَا أَو خُصُوصِ المُؤَاخِذَةِ، فَهُوَ کَقَولِهِ عَلَیهِ السَلَام: «مَا حَجَبَ اللَّهُ عِلمَهُ عَنِ العِبَادِ فَهُوَ مَوضُوعٌ عَنهُم».