کلام المحذّث الجزائري
وَ قَدِ استَحسَنَ ما ذَكَرَهُ غَيرُ واحِدٍ مِمَّن تَأخَّرَ عَنهُ، مِنهُم السَّيِّدُ المُحَدِّثِ الجَزائِرِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في أوائِلِ شَرحِ التَّهذيبِ عَلى ما حُكِيَ عَنهُ. قالَ بَعدَ ذِكرِ كَلامِ المُحَدِّثِ المُتَقَدِّمِ بِطُولِهِ: وَ تَحقيقُ المَقامِ يَقتَضي ما ذَهَبَ إلَيهِ. فَإن قُلتَ: قَد عَزَلتَ العَقلَ عَنِ الحُكمِ فِي الأُصُولِ وَ الفُرُوعِ، فَهَل يَبقى لَهُ حُكمٌ في مَسألَةٍ مِنَ المَسائِلِ؟ قُلتُ: أمَّا البَديهِيّاتُ فَهِيَ لَهُ وَحدَهُ، وَ هُوَ الحاكِمُ فِيها. فَأمَّا النَّظّرِيّاتُ: فَإن وافَقَهُ النَّقلُ وَ حَكَمَ بِحُكمِهِ قُدِّمَ حُكمُهُ عَلَى النَّقلِ وَحدَهُ، وَ أمّا لَو تَعارَضَ هُوَ وَ النَّقلِيُّ فَلا شَكَّ عِندَنا في تَرجيحِ النَّقلِ وَ عَدَمِ الاِلتِفاتِ إلى ما حَكَمَ بِهِ العَقلُ. قالَ : وَ هذا أصلٌ يَبتَنى عَلَيهِ مَسائِلُ كَثيرَةٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ جُملَةً مِنَ المَسائِلِ المُتَفَرِّعَةِ.
المناقشة في ما أفاده الجزائري
أقُولُ: لا يَحضُرُني شَرحُ التَّهذيبِ حَتّى اُلاحِظُ ما فَرَّعَ عَلى ذلِكَ، فَلَيتَ شِعري! إذا فُرِضَ حُكمُ العَقلِ عَلى وَجهِ القَطعِ بِشَيءٍ، كَيفَ يَجُوزُ حُصُولُ القَطعِ أوِ الظَّنِّ مِنَ الدَّليلِ النَّقلِيِّ عَلى خِلافِهِ؟ وَ كَذا لَو فُرِضَ حُصُولُ القَطعِ مِنَ الدَّليلِ النَّقلِيِّ، كَيفَ يَجُوزُ حُكمُ العَقلِ بِخِلافِهِ عَلى وَجهِ القَطعِ؟
کلام المحدّث البحراني
وَ مِمَّن وافَقَهُما عَلى ذلِكَ فِي الجُملَةِ: المُحَدِّثُ البَحرانيُّ في مُقَدِّماتِ الحَدائِقِ، حَيثُ نَقَلَ كَلاماً لِلسَيِّدِ المُتَقَدِّمِ في هذَا المَقامِ وَ استَحسَنَهُ ، إلّا أنَّهُ صَرَّحَ بِحُجِّيَّةِ العَقلي الفِطرِيِّ الصَّحيحِ، وَ حَكَمَ بِمُطابَقَتِهِ لِلشَّرعِ وَ مُطابَقَةِ الشَّرعِ لَهُ. ثُمَّ قالَ : لا مَدخَلَ لِلعَقلِ في شَيءٍ مِنَ الأحكامِ الفِقهِيَّةِ مِن عِباداتٍ وَ غَيرِها، وَ لا سَبيلَ إلَيها إلَّا السَّماعُ عَنِ المَعصُومِ؛ لِقُصُورِ العَقلِ المَذكُورِ عَنِ الإطِّلاعِ عَلَيها. ثُمَّ قالَ : نَعَم، يَبقَى الكَلامُ بِالنِّسبَةِ إلى ما لا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّوقيفِ، فَنَقُولُ: إن كانَ الدَّليلُ العَقلِيُّ القَطعِيّ المُتَعَلَّقُ بِذلِكَ بَديهِيّاً ظاهِرَ البَداهَةِ- مِثلُ:الواحِدُ نِصفُ الإثنَينِ- فَلا رَيبَ في صِحَّةِ العَمَلِ بِهِ، وَ إلّا: فَإن لَم يُعارِضهُ دَليلٌ عَقلِيٌّ وَ لا نَقلِيٌّ فَكَذلِكَ. فَإن عارَضَهُ دَليلٌ عَقلِيٌّ آخَرُ: فَإن تُأُيِّدَ أحَدُهُما بِنَقلِيٍّ كانَ التَّرجيحُ لِلمتأیّد بِالدَّلیلِ النَّقلِيّ ، وَ إلّا فَإشكالٌ. فَإن عارَضَهُ دَليلٌ نَقلِيٌّ: فَإن تُأيِّدَ ذلِكَ العَقلِيُّ بِدَليلٍ نَقلِيٍّ كانَ التَّرجيحُ لِلعَقلِيِّ- إلّا أنَّ هذا فِي الحَقيقَةِ تَعارُضٌ فَي النَّقلِيّاتِ - وَ إلّا فَالتَّرجيحُ لِلنَّقلِيِّ، وِفاقاً لِلسَّيِّدِ المُحَدِّثِ المُتَقَدِّمِ ذِكرُهُ، وَ خِلافاً لِلأكثَرِ. هذا بِالنِّسبَةِ إلَى العَقلِيٍ بِقَولٍ مُطلَقٍ، أمّا لَو أُريدَ المَعنَى الأخَصُّ، وَ هُوَ الفِطرِيُّ الخالي عَن شَوائِبِ الأوهامِ الَّذي هُوَ حُجَّةٌ مِن حُجَجِ المَلِكِ العَلّامِ- وَ إن شَذَّ وُجُودُهُ فَي الأنامِ- فَفي تَرجيحِ النَّقلِيِّ عَلَيهِ إشكالٌ انتَهى.