نظریّة المصنّف في المسألة
فَإن قُلتَ: لَعَلَّ نَظَرَ هؤُلاءِ في ذلِكَ إلى ما يُستَفادُ مِنَ الأخبارِ- مِثلُ قَولِهِم عَلیهِمُ السَّلامُ: «حَرامٌ عَلَيكُم أن تَقُولُوا بَشَيءٍ ما لَم تَسمَعُوهُ مِنّا»، وَ قَولِهِم عَلیهِ السَّلامُ: «لَو أنَّ رَجُلاً قامَ لَيلَهُ، وَ صامَ نَهارَهُ، وَ حَجَّ دَهرَهُ، وَ تَصَدَّقَ بِجَميعِ مالِهِ، وَ لَم يَعرِف وِلايَةَ وَلِيِّ اللّهِ؛ فَيَكُونُ أعمالُهُ بِدَلالَتِهِ فَيُوالِيَهُ، ما كانَ لَهُ عَلَى اللّهِ ثَوابٌ»، وَ قَولِهِم عَلیهِمُ السَّلامُ: «مَن دانَ اللّهَ بِغَيرِ سَماعٍ مِن صادِقٍ فَهُوَ كَذا وَ كَذا ...» ، إلى غَيرِ ذلِكَ-: مِن أنَّ الواجِبَ عَلَينا هُوَ امتِثالُ أحكامِ اللّهِ تَعالَى الَّتي بَلَّغَها حُجَجُهُ عَلیهِمُ السَّلامُ ، فَكُلُّ حُكمٍ لَم يَكُنِ الحُجَّةُ واسِطَةً في تَبليغِهِ لَم يَجِبِ امتِثالُهُ، بَل يِكُونُ مِن قَبيلِ: «أُسكُتُوا عَمّا سَكَتَ اللّهُ عَنهُ »؛ فَإنَّ مَعنى سُكُوتِهِ عَنهُ عَدَمُ أمرِ أولِيائِهِ بِتَبليغِهِ، وَ حينَئِذٍ فَالحُكمُ المُنكَشِفُ بِغَيرِ واسِطَةِ الحُجَّةِ مُلغىً في نَظَرِ الشارِعِ وَ إن كانَ مُطابِقاً لِلواقِعِ؛ كَما يَشهَدُ بِهِ تَصريحُ الإمامِ عَلَیهِ السَّلامُ بِنَفيِ الثَّوابِ عَلَى التَّصَدُّقِ بِجَميعِ المالِ، مَعَ القَطعِ بِكَونِهِ مَحبُوباً وَ مَرضِيّاً عِندَ اللّهِ.
وَ وَجهُ الاِستِشكالِ في تَقديمِ النَّقلِيِّ عَلَى العَقلِ الفِطرِيِّ السَّليمِ : ما وَرَدَ مِنَ النَّقلِ المُتواتِرِ عَلى حُجِّيَّةِ العَقلِ، وَ أنَّهُ حُجَّةٌ باطِنَةٌ ، وَ أنَّهُ مِمّا يُعبَدُ بِهِ الرَّحمنُ وَ يُكتَسَبُ بِهِ الجَنانُ ، وَ نَحوُها مِمّا يُستَفادُ مِنهُ كَونُ العَقلِ السّليمِ أيضاً حُجَّةً مِنَ الحُجَجِ، فَالحُكمُ المُستَكشَفُ بِهِ حُكمٌ بَلَّغَهُ الرَّسُولُ الباطِنِيُّ، الَّذي هُوَ شَرعٌ مِن داخِلٍ، كَما أنَّ الشَّرعَ عَقلٌ مِن خارجٍ.
کلام السید الصدر في المسألة
وَ مِمّا يُشيرُ إلى ما ذَكَرنا مِن قِبَلِ هؤُلاءِ: ما ذَكَرَهُ السَّيِّدُ الصَّدرُ رَحِمَهُ اللّهُ في شَرحِ الوافِيَةِ- في جُملَةِ كَلامٍ لَهُ في حُكمِ ما يَستَقِلُّ بِهِ العَقلُ- ما لَفظُهُ: إنَّ المَعلُومَ هُوَ أنَّهُ يَجِبُ فِعلُ شَيءٍ أو تَركُهُ أو لا يَجِبُ إذا حَصَلَ الظَّنُّ أوِ القَطعُ بِوُجُوبِهِ أو حُرمَتِهِ أو غَيرِهِما مِن جِهَةِ نَقلِ قَولِ المَعصُومِ عَلیهِ السَّلام أو فِعلِهِ أو تَقريرِهِ، لا أنَّهُ يَجِبُ فِعلُهُ أو تَركُهُ أو لا يَجِبُ مَعَ حُصُولِهِما مِن أيِّ طَريقٍ كانِ ، انتِهى مَوضِعُ الحاجَةِ.