الجواب الأوّل عن التوجیه
قُلتُ: أوَّلاً: نَمنَعُ مَدخَلِيَّةِ تَوَسُّطِ تَبليغِ الحُجَّةِ في وُجُوبِ إطاعَةِ حُكمِ اللّهِ سُبحانَهُ؛ كَيفَ! وَ العَقلُ بَعدَ ما عَرَفَ أنَّ اللّهَ تَعالى لا يَرضى بِتَركِ الشَّيءِ الفُلاني، وَ عَلِمَ بِوُجُوبِ إطاعَةِ اللّهِ، لَم يَحتَج ذلِكَ إلى تَوسُّطِ مُبَلِّغٍ.
وَ دَعوَى: استِفادَةِ ذلِكَ مِنَ الأخبارِ، مَمنُوعَةٌ؛ فَإنَّ المَقصُودَ مِن أمثالِ الخَبَرِ المَذكُورِ عَدَمُ جَوازِ الاِستِبدادِ بِالأحكامِ الشَّرعِيَّةِ بِالعُقُولِ النّاقِصَةِ الظَّنِّيَّةِ- عَلى ما كانِ مُتَعارِفاً في ذلِكَ الزَّمانِ مِنَ العَمَلِ بِالأقيسَةِ و الاِستِحساناتِ- مِن غَيرِ مُراجَعَةِ حُجَجِ اللّهِ، بَل في مُقابِلِهِم عَلَیهمُ السَّلامُ وَ إلّا فَإدراكُ العَقلِ القَطعِيِّ لِلحُكمِ المُخالِفِ لِلدَّليلِ النَّقلِيِّ عَلى وَجهٍ لا يُمكِنُ الجَمعُ بَينَهُما في غايَةِ النَّدرَةِ ، بَل لا نَعرِفُ وُجُودَهُ، فَلا يَنبَغِي الاِهتِمامُ بِهِ في هذِهِ الأخبارِ الكَثيرَةِ، مَعَ أنَّ ظاهِرَها يَنفي حُكُومَةَ العَقلِ وَ لَو مَعَ عَدَمِ المُعارِضِ . وَ عَلى ما ذَكَرنا يُحمَلُ ما وَرَدَ مِن: «أنَّ دينَ اللّهِ لا يُصابُ بِالعُقُولِ».
وَ أمّا نَفيُ الثَّوابِ عَلَى التَّصَدُّقِ مَعَ عَدَمِ كَونِ العَمَلِ بِهِ بِدَلالَةِ وَلِيِّ اللّهِ، فَلَو اُبقِيَ عَلى ظاهِرِهِ تَدلّ عَلى عَدَمِ الاِعتِبارِ بِالعَقلِ الفِطرِي الخالي عَن شَوائِبِ الأوهامِ، مَعَ اعتِرافِهِ بِأنَّهُ حُجَّةٌ مِن حُجَجِ المَلِكِ العَلّامِ، فَلا بُدَّ مِن حَملِهِ عَلَى التَّصَدُّقاتِ الغَيرِ المَقبُولَةِ، مِثلُ التَّصَدُّقِ عَلَى المُخالِفينَ لِأجلِ تَدَيُّنِهِم بِذلِكَ الدّينِ الفاسِدِ- كَما هِوَ الغالِبُ في تَصَدُّقِ المُخالِفِ عَلَى المُخالِفِ، كَما في تَصَدُّقِنا عَلَى فُقَراءِ الشِّيعَةِ؛ لِأجلِ مَحَبَّتِهِم لِأميرِ المُؤمِنينَ عَلیهِ السَّلام وَ بُغضِهِم لِأعدائِهِ-، أو عَلى أنَّ المُرادَ حَبطُ ثَوابِ التَّصَدُّقِ؛ مِن أجلِ عَدَمِ المَعرِفَةِ لِوَلِيِّ اللّهِ تَعالی، أو عَلى غَيرِ ذلِكَ.