في تقديم العلم التفصيلي على الإجمالي
وَ حينَئِذٍ: فَلا يَنبَغي، بَل لا يَجُوزُ تَركُ الاِحتِياطِ- في جَميعِ مَوارِدِ إرادَةِ التَّكرارِ- بِتَحصيلِ الواقِعِ أوَّلاً بِظَنِّهِ المُعتَبَرِ، مِنَ التَّقليدِ أوِ الاِجتِهادِ بِإعمالِ الظُّنُونِ الخاصَّةِ أوِ المُطلَقَةِ، وَ إتيانِ الواجِبِ مَعَ نِيَّةِ الوَجهِ، ثُمَّ الإتيانِ بِالمُحتَمَلِ الآخَرِ بِقَصدِ القُربَةِ مِن جِهَةِ الاِحتِياطِ. وَ تَوَهُّمُ: أنَّ هذا قَد يُخالِفُ الاِحتِياطَ؛ مِن جِهَةِ احتِمالِ كَونِ الواجِبِ ما أتى بِهِ بِقَصدِ القُربَةِ، فَيَكُونُ قَد أخَلَّ فِيهِ بِنِيَّةِ الوُجُوبِ. مَدفُوعٌ: بِأنَّ هذَا المِقدارَ مِنَ المُخالَفَةِ لِلاِحتِياطِ مِمّا لابُدَّ مِنهُ؛ إذ لَو أتى بِهِ بِنِيَّةِ الوُجُوبِ كانَ فاسِداً قَطعاً؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ ظاهِراً عَلَى المُكَلَّفِ بَعدَ فَرضِ الإتيانِ بِما وَجَبَ عَلَيهِ في ظَنِّهِ المُعتَبَرِ.
إن شِئتَ قُلتَ: إنَّ نِیَّةَ الوَجهِ ساقِطَةٌ فِیما یُؤتی بِهِ مِن بابِ الاِحتِیاطِ إجماعاً حَتّی مِنَ القائِلینَ بِاعتِبارِ نِیَّةِ الوَجهِ؛ لِأنَّ لازِمَ قَولِهِم بِاعتِبارِ نِيَّةِ الوَجهِ في مَقامِ الاِحتِياطِ عَدَمُ مَشرُوعِيَّةِ الاِحتِياطِ وَ كَونِهِ لَغواً، وَ لا أظُنُّ أحَداً يَلتَزِمُ بِذلِكَ عَدَا السَّيِّدِ أبِي المَكارِمِ في ظاهِرِ كَلامِهِ فِي الغُنيَةِفي رَدِّ الاِستِدلالِ عَلى كَونِ الأمرِ لِلوُجُوبِ: بِـ : أنَّهُ أحوَطُ، وَ سَيَأتي ذِكرُهُ عِندَ الكَلامِ عَلَى الاِحتِياطِ في طَيِّ مُقَدِّماتِ دَليلِ الاِنسِدادِ.
الکلام في المخالفة القطعیّة للعلم الإجمالي
أمَّا المَقامُ الأوَّلُ وَ هُوَ كِفايَةُ العِلمِ الإجماليِّ في تَنَجُّزِ التَّكليفِ، وَ اعتِبارِهِ كَالتَّفصيليِّ، فَقَد عَرَفتَ كِفايَةَ المُوافَقَةِ الاِحتِمالِيَّةِ راجِعٌ إلى مَسألِةِ البَراءَةِ وَ الاِحتِياطِ، وَ المَقصُودُ هُنا بَيانُ اعتِبارِهِ فِي الجُملَةِ الَّذي أقَلُّ مَرتَبَتِهِ حُرمَةُ المُخالَفَةِ القَطعِيَّةِ، فَنَقُولُ:
صور العلم الإجمالي
إنَّ لِلعِلمِ الإجماليِّ صُوراً كَثيرَةً؛ لِأنَّ الإجمالَ الطّارِئ : إمّا مِن جِهَةِ مُتَعَلَّقِ الحُكمِ مَعَ تَبَيُّنِ نَفسِ الحُكمِ تَفصيلاً، كَما لَو شَكَكنا أنَّ حُكمَ الوُجُوبِ في يَومِ الجُمُعَةِ يَتَعَلَّقُ بِالظُّهرِ أو الجُمُعَةِ، وَ حُكمُ الحُرمَةِ يَتَعَلَّقُ بِهذَا المَوضُوعِ الخارِجِيِّ مِنَ المُشتَبَهَينِ أو بِذاكَ . وَ إمّا مِن جِهَةِ نَفسِ الحُكمِ مَعَ تَبَيُّنِ مَوضُوعِهِ، كَما لَو شُكَّ في أنَّ هذَا المَوضُوعَ المَعلُومَ الكُلِّيِّ أوِ الجُزئِيِّ تَعَلَّقَ بِهِ الوُجُوبُ أوِ الحُرمَةُ. وَ إمّا مِن جِهَةِ الحُكمِ وَ المُتَعَلَّقِ جَميعاً، مِثلُ أن نَعلَمَ أنَّ حُكماً مِنَ الوُجُوبِ وَ التَّحريمِ تَعَلَّقَ بِأحَدِ هذَينِ المَوضُوعَينِ.