توجیه إطلاق الأصحاب في الإجماع المرکّب
فَراجِع كَلِماتِهِم فِيما إذَا اختلف الأُمَّةُ عَلى قَولَينِ وَ لَم يَكُن مَعَ أحَدِهِما دَليلٌ؛ فَإنَّ ظاهِرَ الشَّيخِ قُدِّسَ سِرُّهُ الحُكمُ بِالتَّخيِيرِ الواقِعِيِّ، وَ ظاهِرَ المَنقُولِ عَن بَعضٍ طَرحُهُما وَ الرُّجُوعُ إلَى الأصلِ، وَ لا رَيبَ أنَّ في كِلَيهِما طَرحاً لِلحُكمِ الواقِعِيِّ؛ لِأنَّ التَّخيِيرَ الواقِعِيِّ كَالأصلِ حُكمٌ ثالِثٌ.
نَعَم، ظاهِرُهُم في مَسألَةِ «دَوَرانِ الأمرِ بَينَ الوُجُوبِ وَ التَّحريمِ» : الاِتِّفاقُ عَلى عَدَمِ الرُّجُوعِ إلَى الإباحَةِ، وَ إن اختَلَفُوا بَينَ قائِلٍ بِالتَّخيِيرِ، وَ قائِلٍ بِتَعيِينِ الأخذِ بِالحُرمَةِ.
مختار المصنّف في المقام
وَ الإنصافُ: أنَّهُ لا يَخلُو عَن قُوَّةٍ؛ لِأنَّ المُخالَفَةَ العَمَلِيَّةَ الَّتي لا تَلزَمُ فِي المَقامِ هِيَ المُخالَفَةُ دَفعَةً فِي الواقِعَةٍ عَن قَصدٍ وَ عِلمٍ، وَ أمَّا المُخالَفَةُ تَدريجاً في واقِعَتَينِ فَهِيَ لازِمَةٌ اَلبَتَّةَ، وَ العَقلُ كَما يَحكُمُ بِقُبحِ المُخالَفَةِ دَفعَةً عَن قَصدٍ وَ عِلمٍ، كَذلِكَ يَحكُمُ بِحُرمَةِ المُخالَفَةِ في واقِعَتَينِ تَدريجاً عَن قَصدٍ إلَيها مِن غَيرِ تَقییدِ بِحُكمٍ ظاهِرِيٍّ عِندَ كُلِّ واقِعَةٍ، وَ حينَئِذٍ فَيَجِبُ بِحُكم العَقلِ الاِلتِزامُ بِالفِعلِ أوِ التَّركُ؛ إذ في عَدَمِهِ ارتِكابٌ لِما هُوَ مَبغُوضٌ لِلشّارِعِ يَقيناً عَن قَصدٍ. وَ تَعَدُّدُ الواقِعَةِ إنَّما يُجدي مَعَ الإذنِ مَنَ الشّارِعِ عِندَ كُلِّ واقِعَةٍ ،كَما في تَخييرِ الشّارِع لِلمُقَلِّدِ بَينَ قَولَيِ المُجتَهِدينِ تَخييراً مُستَمِرّاً يَجُوزُ مَعَهُ الرُّجُوعُ مِن أحَدِهِما إلَى الآخَرِ، وَ أمّا مَعَ عَدَمِهِ فَالقادِمُ عَلى ما هُوَ مَبغُوضٌ لِلشّارِعِ يَستَحِقُّ عَقلاً العِقابَ عَلَى ارتِكابَ ذلِكَ المَبغُوضِ، أمّا لَوِ التَزَمَ بِأحَدِ الاِحتِمالَينِ قَبُحَ عِقابُهُ عَلى مُخالَفَةِ الواقِعِ لَوِ اتَّفَقَت. وَ يُمكِنُ استِفادَةُ الحُكمِ أيضاً مِن فَحوى أخبارِ التَّخييرِ عِندَ التَّعارُضِ.