استدلال المشهور علی الإمکان
وَ استَدَلَّ المَشهُورُ عَلَى الإمكانِ: بِأنّا نَقطَعُ بِأنَّهُ لايَلزَمُ مِنَ التَّعَبُّدِ بِهِ مَحالٌ.
وَ في هذَا التَّقريرِ نَظَرٌ؛ إذِ القَطعُ بِعَدَمِ لُزُومِ المَحالِ فِي الواقِعِ مُوقُوفٌ عَلى إحاطَةِ العَقلِ بِجَميعِ الجَهاتِ المَحَسِّنَةِ وَ المُقَبِّحَةِ وَ عِلمِهِ بِانتِفائِها، وَ هُوَ غَيرُ حاصِلٍ فِيما نَحنُ فِيهِ.
فَالأولى أن تُقَرَّرَ هكَذا: إنّا لانَجِدُ في عُقُولِنا بَعدَ التَّأمُّلِ ما يُوجِبُ الاِستِحالَةَ، وَ هذا طَريقٌ يَسلُكُهُ العُقَلاءُ فِي الحُكمِ بِالإمكانِ.
المناقشة في أدلّة ابن قبة
وَ الجَوابُ عَن دَليلِهِ الأوَّلِ: أنَّ الإجماعَ إنَّما قامَ عَلى عَدَمِ الوُقُوعِ، لا عَلَى الاِمتِناعِ. مَعَ أنَّ عَدَمَ الجَوازِ قِياساً عَلَى الإخبارِ عَنِ اللّهِ تَعالى- بَعدَ تَسليمِ صِحَّةِ المُلازِمَةِ- إنَّما هُوَ فِيما إذا بُنِيَ تَأسيسُ الشَّريعَةِ اُصُولاً وَ فُرُوعاً عَلَى العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ ، لا مِثلُ ما نَحنُ فِيهِ مِمّا ثَبَتَ أصلُ الدّينِ وَ جَميعُ فُرُوعِهِ بِالأدِلَّةِ القَطعِيَّةِ، لكِن عَرَضَ اختِفاؤُها مِن جِهَةِ العَوارِضِ وَ إخفاءِ الظّالِمينَ لِلحَقِّ.
وَ أمّا دَليلُهُ الثّاني، فَقَد اُجيبَ عَنهُ:
تارَةً: بِالنَّقضِ بِالأُمُورِ الكَثيرَةِ الغَيرِ المُفيدَةِ لِلعِلمِ، كَالفَتوى وَ البَيِّنَةِ وَ اليَدِ، بَلِ القَطعُ أيضاً؛ لِأنَّهُ قَد يَكُونُ جَهلاً مُرَكَّباً.
وَ اُخرى: بِالحِلِّ، بِأنَّهُ إن اُريدَ تَحريمُ الحَلالِ الظّاهِرِيِّ أو عَكسِهِ فَلا نُسَلِّمُ لُزُومَهُ، وَ إن اُريدَ تَحريمُ الحَلالِ الواقِعِيِّ ظاهِراً فَلا نُسَلِّمُ امتِناعَهُ.
وَ الأَولى أن يُقالَ: إنَّهُ إن أرادَ امتِناعَ التَّعَبُّدَ بِالخبَرِ فِي المَسألَةِ الَّتِي انسَدَّ فِيها بابُ العِلمِ بِالواقِعِ، فَلا يُعقَلُ المَنعُ عَنِ العَمَلِ بِهِ، فَضلاً عَنِ امتِناعِهِ؛ إذ مَعَ فَرضِ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنَ العِلمِ بِالواقِعِ إمّا أن يَكُونَ لِلمُكَلَّفِ حُكمٌ في تِلكَ الواقِعَةِ، وَ إمّا أن لايَكُونَ لَهُ فِيها حُكمٌ، كَالبَهائِمِ وَ المَجانينِ. فَعَلَى الأوَّلِ، فَلا مَناصَ عَن إرجاعِهِ إلى ما لايُفيدُ العِلمَ مِنَ الأُصُولِ وَ الأماراتِ الظَّنِيَّةِ الَّتي مِنهَا الخَبَرُ الواحِدِ. وَ عَلَى الثّانِي، يَلزَمُ تَرخيصُ فِعلِ الحَرامِ الواقِعِيِّ وَ تَركِ الواجِبِ الواقِعِيِّ، وَ قَد فَرَّ المُستَدِلُّ مِنهُما.