المناقشة في أدلّة ابن قبة
فَإنِ التَزَمَ أنَّ مَعَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنَ العِلمِ لا وُجُوبَ وَ لا تَحريمَ؛ لِأنَّ الواجِبَ وَ الحَرامَ ما عَلِمَ بِطَلَبِ فِعلِهِ أو تَركِهِ. قُلنا: فَلا يَلزَمُ مِنَ التَّعَبُّدِ بِالخَبَرِ تَحليلُ حَرامٍ أو عَكسِهِ. وَ كَيفَ كانَ: فَلا نَظُنُّ بِالمُستَدِلِّ إرادَةَ الاِمتِناعِ في هذَا الفَرضِ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ يَدَّعِي الاِنفِتاحَ؛ لِأنَّهُ أسبَقُ مِنَ السَّيِّدِ قُدِّسَ سِرُّهُ وَ أتباعِهِ الَّذينَ ادَّعُوا انفِتاحَ بابِ العِلمِ.
وَ مِمّا ذَكَرنا ظَهَرَ: أنَّهُ لا مَجالَ لِلنَّقضِ عَلَيهِ بِمِثلِ الفَتوى؛ لِأنَّ المَفرُوضَ انسِدادُ بابِ العِلمِ عَلَى المُستَفتي، وَ لَيسَ لَهُ شَيءٌ أبعَدَ مِن تَحريمِ الحَلالِ وَ تَحليلِ الحَرامِ مِنَ العَمَلِ بِقَولِ المُفتي، حَتّى أنَّهُ لَو تَمَكَّنَ مِنَ الظَّنِّ الاِجتِهادِيِّ فَالأكثَرُ عَلى عَدَمِ جَوازِ العَمَلِ بِفَتوَى الغَيرِ .
وَ كَذلِكَ نَقضُهُ بِالقَطعِ مَعَ احتِمالِ كَونِهِ فِي الواقِعِ جَهلاً مُرَكَّباً؛ فَإنَّ بابَ هذَا الاِحتِمالِ مُنسَدٌّ عَلَى القاطِعِ. وَ إن أرادَ الاِمتِناعَ مَعَ انفِتاحِ بابِ العِلمِ وَ التَّمَكُّنِ مِنهُ في مَورِدِ العَمَلِ بِالخَبَرِ، فَنَقُولُ:
النعبّد بالخبر علی وجهین: الطریقیّة و السببیّة
إنَّ التَّعَبُّدَ بِالخَبرِ حينَئِذٍ يُتَصَوَّرُ عَلى وَجهَينِ:
أحَدِهِما : أن يَجِبَ العَمَلُ بِهِ لِمُجَرَّدِ كَونِهِ طَريقاً إلَى الواقِعِ وَ كاشِفاً ظَنِّيّاً عَنهُ، بِحَيثُ لَم يُلاحَظ فِيهِ مَصلَحَةٌ سِوَى الكَشفِ عَنِ الواقِعِ، كَما قَد يَتَّفِقُ ذلِكَ حينَ انسِدادِ بابِ العِلمِ وَ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِإصابَةِ الواقِعِ؛ فَإنَّ الأمرَ بِالعَمَلِ بِالظَّنِّ الخَبَريِّ أو غَيرِهِ لايَحتاجُ إلى مَصلَحَةٍ سِوى كَونِهِ كاشِفاً ظَنِّيّاً عَنِ الواقِعِ.