عدم الامتناع بناءً علی السببیّة
فَإن قُلتَ: إنَّ هذا إنَّما يُوجِبُ التَّصويبَ؛ لِأنَّ المَفرُوضَ عَلى هذا أنَّ في صَلاةِ الجُمُعَةِ الَّتي أُخبِرَ بِوُجُوبِها مَصلَحَةً راجِحَةً عَلَى المَفسَدَةِ الواقِعِيَّةِ، فَالمَفسَدَةُ الواقِعَيَّةِ سَليمَةٌ عَنِ المُعارِضِ الرّاجِحِ بِشَرطِ عَدَمِ إخبارِ العادِلِ بِوُجُوبِها، وَ بَعد الإخبارِ يَضمَحِلُّ المَفسَدَةُ؛ لِعُرُوضِ المَصلَحَةِ الرّاجِحَةِ، فَلَو ثَبَتَ مَعَ هذَا الوَصفِ تَحريمٌ ثَبَتَ بِغَيرِ مَفسَدَةٍ یُوجِبُهُ؛ لِأنَّ الشَّرطَ في إيجابِ المَفسَدَةِ لَهُ خُلُوُّها عَن مُعارَضَةِ المَصلَحَةِ الرّاجِحَةِ، فَيَكُونُ إطلاقُ الحَرامِ الواقِعِيِّ حينَئِذٍ بِمَعنى أنَّهُ حَرامٌ لَو لَا الإخبارُ، لا أنَّهُ حَرامٌ بِالفِعلِ وَ مَبغُوضٌ واقِعاً، فَالمَوجُودُ بِالفِعلِ في هذِهِ الواقِعَةِ عِندَ الشّارِعِ لَيسَ إلَّا المَحبُوبِيَّةِ وَ الوُجُوبَ، فَلا يَصِحُّ إطلاقُ الحَرامِ عَلى ما فِيهِ المَفسَدَةُ المُعارَضَةُ بِالمَصلَحَةِ الرّاجِحَةِ عَلَيه. وَ لَو فُرِضَ صِحَّتُهُ فَلا يُوجِبُ ثُبُوتَ حُكمٍ شَرعِيٍّ مُغايِرٍ لِلحُكمِ المُسَبَّبِ عَنِ المَصلَحَةِ الرّاجِحَةِ. وَ التَّصويبُ وَ إن لَم يَنحَصِر في هذَا المَعنى ، إلّا أنَّ الظّاهِرَ بُطلانُهُ أيضاً؛ كَما اعتَرَفَ بِهِ العَلّامَةُ قُدِّسَ سِرَّهُ فِي النَّهايَةِ في مَسألَةِ التَّصويبِ، وَ أجابَ بِهِ صاحِبُ المَعالِمِ قُدِّسَ سِرُّهُ - في تَعريفِ الفِقهِ عَن قَولِ العَلّامَةِ قُدِّسَ سِرَّهُ: بِأنَّ ظَنِّيَّةَ الطَّريقِ لا یُنافي قَطعِيَّةَ الحُكمِ. قُلتُ: لَو سُلِّمَ كَونُ هذا تَصويباً مُجمَعاً عَلى بُطلانِهِ وَ أغمَضنا عَمّا سَيَجيءُ مِن عَدَمِ كَونِ ذلِكَ تَصويباً كانَ الجَوابُ بِهِ عَنِ ابنِ قِبَةٍ رَحِمَهُ اللّهُ مِن جِهَةِ أنَّهُ أمرٌ مُمكِنٌ غَيرُ مُستَحيلٍ، وَ إن لَم يَكُن واقِعاً لِإجماعٍ أو غَيرِهِ، وَ هذَا المِقدارُ يَكفي في رَدِّهِ. إلّا أن يُقالَ: إنَّ كَلامَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ بَعدَ الفَراغِ عَن بُطلانِ التَّصويبِ، كَما هُوَ ظاهِرُ استِدلالِهِ: