استدلال الأخباریّین بالأخبار
وَ عَن مَولانَا الرِّضا عَلَيهِ السَّلام، عَن آبائِهِ، عَن أميرِ المُؤمِنينَ عَلَيهِ السَّلام، قالَ: «قالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: إنَّ اللَّه عَزَّ وَ جَلّ قالَ فِي الحَديثِ القُدسِيِّ: ما آمَنَ بي مَن فَسَّرَ كَلامي بِرَأْيِهِ، وَ ما عَرَفني مَن شَبَّهَني بِخَلقي، وَ ما عَلى ديني مَنِ استَعمَلَ القِياسَ في ديني».
وَ عَن تَفسيرِ العَيّاشيِّ، عَن أبي عِبدُ اللّهَ عَلَيهِ السَّلام: «قالَ: مَن حَكَمَ بِرَأْيِهِ بَينَ اثنَينِ فَقَد كَفَرَ، وَ مَن فَسَّرَ بِرَأْيِهِ آيَةً مِن كِتابِ اللّهِ فَقَد كَفَرَ» .
وَ عَن مَجمَعِ البَيانِ: أنَّهُ قَد صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ عَنِ الأئِمَّةِ القائِمينَ مَقامَهُ: أنَّ تَفسيرَ القُرآنِ لايَجُوزُ إلّا بِالأثَرِ الصَّحيحِ وَ النَّصِّ الصَّريحِ.
وَ قَولُهُ عَلَیهِ السَّلام: «لَيسَ شَيءٌ أبعَدَ مِن عُقُولِ الرِّجالِ مِن تَفسيرِ القُرآنِ؛ إنَّ الآيَةَ تَكُونُ أوَّلُها في شَيءٍ وَ آخِرُها في شَيءٍ، وُ هُوَ كَلامٌ مُتَّصِلٌ يَنصَرِفُ إلى وُجُوهٍ».
وَ في مُرسَلَةِ شعیبِ بنِ أنَسٍ، عَن أبي عَبدِ اللّهِ عَلَيهِ السَّلام، أنَّهُ قالَ لِأبي حَنيفَةَ: «أنتَ فَقيهُ أهلِ العراقِ؟ قالَ: نَعَم، قالَ: فَبِأيِّ شَيءٍ تُفتيهِم؟
قالَ: بِكِتابِ اللّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللُّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ، قالَ عَلَیهِ السَّلام: يا أبا حَنيفَةَ، تَعرِفُ كِتابَ اللّهِ حَقَّ مَعرِفَتِهِ، وَ تَعرِفُ النّاسِخَ مِنَ المَنسُوخِ؟ قالَ: نَعَم، قالَ عَلَيهِ السَّلام: يا أبا حَنيفَةَ، لَقَدِ ادَّعَيتَ عِلماً! وَيلَكَ، ما جَعَلَ اللّهُ ذلِكَ إلّا عِندَ أهلِ الكِتابِ الَّذينَ اُنزِلَ عَلَيهِم، وَيلَكَ، ما هُوَ إلّا عِندَ الخاصِّ مِن ذُرِّيَةِ نَبِيِّنا صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ، وَ ما وَرَّثَكَ اللّهُ مِن كِتابِهِ حَرفاً».
وَ في رِوايَةِ زَيدِ الشَّحّامِ، قالَ: «دَخَلَ قَتادَةُ عَلى أبي جَعفَرٍ عَلَيهِ السَّلام، فَقالَ لَهُ: أنتَ فَقيهُ أهلِ البَصرَةِ؟ فَقالَ: هكَذا يَزعُمُونَ، فَقالَ عَلَيهِ السَّلام: بَلَغَني أنَّكَ تُفَسِّرُ القُرآنَ، قالَ: نَعَم ...»- إلى أن قالَ -: «يا قَتادَةُ، إن كُنتَ قَد فَسَّرتَ القُرآنَ مِن تِلقاءِ نَفسِكَ فَقَد هَلَكتَ وَ أهلَكتَ، وَ إن كُنتَ قَد فَسَّرتَ مِنَ الرِّجالِ فَقَد هَلَكتَ وَ أهلَكتَ، يا قَتادَةُ وَیحَکَ، إنَّما يَعرِفُ القُرآنَ مَن خُوطِبَ بِهِ».
إلى غَيرِ ذلِكَ مِمّا ادَّعى فِي الوَسائِلِ- في كِتابِ القَضاءِ- تَجاوُزَها عَن حَدِّ التَّواتُرِ.
و حاصِلُ هذَا الوَجهِ يَرجِعُ إلى: أنَّ مَنعَ الشّارِعِ عَن ذلِكَ يَكشِفُ عَن أنَّ مَقصُودَ المُتَكَلِّمِ لَيسَ تَفهيمُ مُطالِبِهِ بِنَفسِ هذَا الكَلامِ، فَلَيسَ مِن قَبيلِ المُحاوَراتِ العُرفِيَّةِ.
الجواب عن الاستدلال بالأخبار
وَ الجَوابُ عَنِ الاِستِدلالِ بِها:
أنَّها لاتَدُلُّ عَلَى المَنعِ مِنَ العَمَلِ بِالظَّواهِرِ الواضِحَةِ المَعنى بَعدَ الفَحصِ عَن نَسخِها وَ تَخصِيصِها وَ إرادَةِ خِلافِ ظاهِرِها فِي الأخبارِ؛ إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّ هذا لايُسَمّى تَفسيراً؛ فَإنَّ أحَداً مِنَ العُقَلاءِ إذا رَأى في كِتابِ مَولاهُ أنَّهُ أمَرَهُ بِشَيءٍ بِلِسانِهِ المُتَعارَفِ في مُخاطَبِهِ [مخاطبته] لَهُ- عَرَبِيّاً أو فارِسِيّاً أو غَيرِهِما- فَعَمِلَ بِهِ وَ امتَثَلَهُ، لَم يُعَدَّ هذا تَفسيراً؛ إذِ التَّفسيرُ كَشفُ القِناعِ.
إذ لَو سُلِّمَ كَونُ مُطلَقِ حَملِ اللَّفظِ عَلى مَعناهُ تَفسيراً، لكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ بِالرَّأيِ هُوَ الاِعتِبارُ العَقلِيُّ الظَّنِّيُ الرّاجِعُ إلَى الاِستِحسانِ، فَلا يَشمَلُ حَملَ ظَواهِرِ الكِتابِ عَلى مَعانيهَا اللُّغَوِيَّةٍ وَ العُرفِيَّةِ.
وَ حينَئِذٍ: فَالمُرادُ بِالتّفسيرِ بِالرَّأيِ: إمّا حَملُ اللَّفظِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ أو أحَدُ احتِمالَيهِ؛ لِرُجحانِ ذلِكَ في نَظَرِهِ القاصِرِ وَ عَقلِهِ الفاتِرِ.