المراد من التفسیر بالرأي
وَ حينَئِذٍ: فَالمُرادُ بِالتّفسيرِ بِالرَّأيِ: إمّا حَملُ اللَّفظِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ أو أحَدُ احتِمالَيهِ؛ لِرُجحانِ ذلِكَ في نَظَرِهِ القاصِرِ وَ عَقلِهِ الفاتِرِ.
وَ يُرشِدُ إلَيهِ: المَروِيُّ عَن مَولانا الصّادِقِ عَلَيهِ السَّلام، قالَ في حَديثٍ طَويلٍ: «إنَّما هَلَكَ النّاسُ فِي المُتَشابِهِ؛ لِأنَّهُم لَم يَقِفُوا عَلى مَعناهُ وَ لَم يَعرِفُوا حَقيقَتَهُ، فَوَضَعُوا لَهُ تَأويلاً مِن عِندَ أنفُسِهِم بِآرائِهِم، وَ استَغنُوا بِذلِكَ عَن مَسألَةِ الأوصِياءِ عَلَيهِمُ السَّلام فَيُعَرِّفُونَهُم».
وَ إمَّا الحَملُ عَلى ما يَظهَرُ لَهُ في بادِئِ الرَّأيِ مِنَ المَعاني العُرفِيَّةِ وَ اللُّغَوِيَّةِ، مِن دُونَ التَّأمُّلٍ فِي الأدِلَّةِ العَقلِيَّةِ وَ مِن دُونِ تَتَبُّعٍ فِي القَرائِنِ النَّقلِيَّةِ، مِثلُ الآياتِ الأُخَرِ الدّالَّةِ عَلى خِلافِ هذَا المَعنى، وَ الأخبارُ الوارِدَةُ في بَيانِ المُرادِ مِنها وَ تَعيِينِ ناسِخِها عَن مَنسُوخِها.
وَ مِمّا يُقَرِّبُ هذَا المَعنى الثّاني وَ إن كانَ الأوَّلُ أقرَبَ عُرفاً: أنَّ المَنهِيَّ في تِلكَ الأخبارِ المُخالِفُونَ الَّذينَ يَستَغنُونَ بِكِتابِ اللّهِ تَعالى عَن أهلِ البَيتِ عَلَيهِمُ السَّلام، بَل يُخَطِّئُونَهُم بِهِ، وَ مِنَ المَعلُومِ ضَرُورَةً مِن مَذهَبِنا تَقديمُ نَصِّ الإمامِ عَلَيهِ السَّلام عَلى ظاهِرِ القُرآنِ، كَما أنَّ المَعلُومَ ضَرُورَةً مِن مَذهَبِهِمُ العَكسُ.
وَ يُرشِدُكَ إلى هذا: ما تَقَدَّمَ في رَدِّ الإمامِ عَلَيهِ السَّلام عَلى أبي حَنيفَةَ حَيثُ إنَّهُ يَعمَلُ بِكِتابِ اللّهِ، وَ مِنَ المَعلُومِ أنَّهُ إنَّما كانَ يَعمَلُ بِظَواهِرِهِ، لا أنَّهُ كانَ یُأوِّلُهُ بِالرَّأيِ؛ إذ لا عِبرَةَ بِالرَّأيِ عِندَهُم مَعَ الكِتابِ وَ السُّنِّةِ.
وَ يُرشِدُ إلى هذا: قَولُ أبي عَبدِ اللّهِ عَلَيهِ السَّلام في ذَمِّ المُخالِفينَ: «إنَّهُم ضَرَبُوا القُرآنَ بَعضَهُ بِبَعضٍ، وَ احتَجُّوا بِالمَنسُوخِ وَ هُم يَظُنُّونَ أنَّهُ النّاسِخُ، وَ احتَجُّوا بِالخاصِّ وَ هُم يَظُنُّونَ أنَّهُ العامُّ، وَ احتَجُّوا بِأوَّلِ الآيَةِ وَ تَرَكُوا السُّنَّةَ في تَأويلِها، وَ لَم يَنظُرُوا إلى ما يَفتَحُ بِهِ الكَلامَ وَ إلى ما يَختِمُهُ، وَ لَم يَعرِفُوا مَوارِدَهُ وَ مَصادِرَهُ، إذ لَم يَأخُذُوهُ عَن أهلِهِ فَضَلُّوا وَ أضَلُّوا».
وَ بِالجُملَةِ: فَالإنصافُ يَقتَضي عَدَمَ الحُكمِ بِظُهُورِ الأخبارِ المَذكُورَةِ فِي النَّهيِ عَنِ العَمَلِ بِظاهِرِ الكِتابِ بَعدَ الفَحصِ وَ التَّتَبُّعِ في سائِرِ الأدِلَّةِ، خُصُوصاً الآثارُ الوارِدَةُ عَنِ المَعصُومينَ عَلَيهِمُ السَّلام؛ كَيفَ وَ لَو دَلَّت عَلَى المَنعِ مِنَ العَمَلِ عَلى هذَا الوَجهِ، دَلَّت عَلى عَدَمِ جَوازِ العَمَلِ بِأحاديثِ أهلِ البَيتِ عَلَيهِمُ السَّلام.
فَفي رِوايَةِ سُلَيمِ بنِ قَيسِ الهِلاليِّ، عَن أميرِ المُؤمِنينَ عَلَيهِ السَّلام: «إنَّ أمرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ مِثلُ القُرآنِ، مِنهُ ناسِخٌ وَ مَنسُوخٌ، وَ خاصٌّ وَ عامٌّ، وَ مُحكَمٌ وَ مُتَشابِهٌ، وَ قَد كانَ يَكُونُ مِن رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ الكَلامُ یَکُون لَهُ وَجهانِ، وَ كَلامٌ عامٌّ وَ كَلامٌ خاصٌّ، مِثلُ القُرآنِ».