استدلال المشهور علی حجّیّة قول اللغويّ
وَ كَيفَ كانَ: فَاستَدَلُّوا عَلَى اعتِبارِ قَولِ اللُّغَوِيّينَ: بِاتِّفاقِ العُلَماءِ بَل جَميعِ العُقَلاءِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيهِم في استِعلامِ اللُّغاتِ وَ الاِستِشهادِ بِأقوالِهِم في مَقامِ الاِحتِجاجِ، وَ لَم يُنكِر ذلِكَ أحدٌ عَلى أحَدٍ، وَ قَد حُكِيَ عَنِ السَّيِّدِ رَحِمَهُ اللّه في بَعضِ كَلِماتِهِ: دَعوَى الإجماعِ عَلى ذلِكَ، بَل ظاهِرُ كَلامِهِ المَحكِيِّ اتِّفاقُ المُسلِمينَ.
قالَ الفاضِلُ السَّبزِوارِيِّ رَحِمَهُ اللّه- فِيما حُكِيَ عَنهُ في هذَا المَقامِ- ما هذا لَفظُهُ:
صِحَّةُ المُراجَعَةِ إلى أصحابِ الصِّناعاتِ البارِزينَ في صَنعَتِهِم البارِعينَ في فَنِّهِم في ما اختَصَّ بِصِناعَتِهِم، مِمّا اتَّفَقَ عَلَيهِ العُقَلاءُ في كُلِّ عَصرٍ وَ زَمانٍ، انتَهى.
المناقشة في الإجماع
وَ فِيهِ: أنَّ المُتَيَقِّنَ مِن هذَا الاِتِّفاقِ هُوَ الرُّجُوعُ إلَيهِم مَعَ اجتِماعِ شَرائِطِ الشَّهادَةِ مِنَ العَدَدِ وَ العَدالَةِ وَ نَحوِ ذلِكَ، لا مُطلَقاً؛ ألاتَرى أنَّ أكثَرَ عُلَمائِنا عَلَى اعتِبارِ العَدالَةِ فِيمَن يُرجَعُ إلَيهِ مِن أهلِ الرِّجالِ، بَل وَ بَعضُهُم عَلَى اعتِبارِ التَّعَدُّدِ، وَ الظّاهِرُ اتِّفاقُهُم عَلَى اشتِراطِ التَّعَدُّدِ وَ العَدالَةِ في أهلِ الخُبرَةِ في مَسألَةِ التَّقويمِ وَ غَيرِها.
هذا، مَعَ أنَّهُ لايُعرَفُ الحَقيقَةُ عَنِ المَجازِ بِمُجَرَّدِ قَولِ اللُّغَوِيِّ- كَما اعتَرَفَ بِهِ المُستَدِلُّ في بَعضِ كَلِماتِهِ- فَلايَنفَعُ في تَشخيصِ الظّواهِرِ.
عدم حجّیّة قول اللغويّ عند المصّف
فَالإنصافُ: أنَّ الرُّجُوعَ إلى أهلِ اللُّغَةِ مَعَ عَدَمِ اجتِماعِ شُرُوطِ الشَّهادَةِ:
إمّا في مَقاماتٍ يَحصُلُ العِلمُ بِالمُستَعمَلِ فِيهِ مِن مُجَرَّدِ ذِكرِ لُغَوِيٍّ واحِدٍ أو أزيَدَ لَهُ عَلى وَجهٍ يُعلَمُ كَونُهُ مِنَ المُسَلَّماتِ عِندَ أهلِ اللُّغَةِ، كَما قَد يَحصُلُ العِلمُ بِالمَسألَةِ الفِقهِيَّةِ مِن إرسالِ جَماعَةٍ لَها إرسالَ المُسَلَّماتِ.
وَ إمّا في مَقاماتٍ يُتَسامَحُ فِيها؛ لِعَدَمِ التَّكليفِ الشَّرعِيِّ بِتَحصيلِ العِلمِ بِالمَعنىَ اللُّغَوِيِّ، كَما إذا أُريدَ تَفسيرُ خُطبَةٍ أو رِوايَةٍ لایَتَعَلَّقُ بِتَكليفٍ شَرعِيٍّ.
وَ إمّا في مَقامٍ انسَدَّ فِيهِ طَريقُ العِلمِ وَ لابُدَّ مِنَ العَمَلِ، فَيُعمَلُ بِالظَّنِّ بِالحُكمِ الشَّرعِيِّ المُستَنَدِ بِقَولِ أهلِ اللُّغَةِ.