کلام السیّد الکاظمي في المقام
فَأجابَ عَن ذلِكَ:
أوَّلاً: بِأنَّ مَدارَ الحُجِّيَّةِ وَ إن كانَ ذلِكَ، لكِنَّ استِلزامَ اتِّفاقِ كَلِمَةِ العُلَماءِ لِمَقالَةِ المَعصُومِ عَلَيهِ السَّلام مَعلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ لايَحتاجُ فِيهِ إلَى النَّقلِ، وَ إنَّمَا الغَرَضُ عَنِ النَّقلِ ثُبُوتُ الاِتِّفاقِ، فَبَعدَ اعتِبارِ خَبَرِ النّاقِلِ- لَوَثاقَتِهِ وَ رُجُوعِهِ في حِكايَةِ الاِتِّفاقِ إلَى الحِسِّ- كانَ الاِتِّفاقُ مَعلُوماً، وَ مَتى ثَبَتَ ذلِكَ كَشَفَ عَن مَقالَةِ المَعصُومِ؛ لِلمُلازَمَةِ المَعلُومَةِ لِکُلِّ أحَدٍ.
وَ ثانِياً: أنَّ الرُّجُوعَ في حِكايَةِ الإجماعِ إلى نَقلِ مَقالَةِ المَعصُومِ عَلَيهِ السَّلام لِرُجُوعِ النّاقِلِ في ذلِكَ إلَى الحِسِّ؛ بِاعتِبارِ أنَّ الاِتِّفاقَ مِن آثارِها، وَ لا كَلامَ فِي اعتِبارِ مِثلِ ذلِكَ، كَما فِي الإخبارِ بِالإيمانِ وَ الفِسقِ وَ الشَّجاعَةِ وَ الكَرَمِ وَ غَيرِها مِنَ المَلَكاتِ، وَ إنَّما لايُرجَعُ إلَى الأخبارِ فِي العَقلِيّاتِ المَحضَةِ، فَإنَّهُ لايُعَوَّلُ عَلَيها وَ إن جاءَ بِها ألفٌ مِنَ الثَّقاتِ حَتّى يُدرَكَ مِثلُ ما أدرَكُوا.
ثُمَّ أورَدَ عَلى ذلِكَ: بِأنَّهُ يَلزَمُ مِن ذلِكَ الرُّجُوعُ إلَى المُجتَهِدِ؛ لِأنَّهُ وَ إن لَم يَرجِع إلَى الحِسِّ في نَفسِ الأحكامِ إلّا أنَّهُ رَجَعَ في لَوازِمِها وَ آثارِها إلَيهِ، وَ هِيَ الأدِلَّةُ السَّمعِيَّةُ، فَيَكُونُ رِوايَةً، فَلِمَ لايُقبَلُ إذا جاءَ بِهِ الثِّقَةِ.
وَ أجابَ: بِأنَّهُ إنَّما يَكفِي الرُّجُوعُ إلَى الآثارِ إذا كانَتِ الآثارُ مُستَلزِمَةً عادَةً، وَ بِالجُملَةِ إذا أفادَت اليَقينَ، كَما في آثارِ المَلَكاتِ وَ آثارِ مَقالَةِ الرَّئيسِ وَ هِيَ مَقالَةُ رَعِيَّتِهِ، وَ هذا بِخِلافِ ما يَستَنهِضُهُ المُجتَهِدُ مِنَ الدَّليلِ عَلَى الحُكمِ.
ثُمَّ قالَ: عَلى أنَّ التَّحقيقَ فِي الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ هُوَ الوَجهُ الأوَّلُ، وَ عَلَيهِ فَلا أثَرَ لِهذا السُّؤالِ، انتَهى.
الناقشة فیما أفاده السیّد الکاظمي
قُلتُ: إنَّ الظّاهِرَ مِنَ الإجماعِ اتِّفاقُ أهلِ عَصرٍ واحِدٍ، لا جَميعِ الأعصارِ كَما يَظهَرُ مِن تَعاريفِهِم وَ سائِرِ كَلِماتِهِم، وَ مِنَ المَعلُومِ أنَّ إجماعَ أهلِ عَصرٍ واحِدٍ- مَعَ قَطعِ النَّظَرِ عَن مُوافَقَةِ أهالي الأعصارِ المُتَقَدِّمَةِ وَ مُخالَفَتِهِم- لايُوجِبُ عَن طَريقِ الحَدسِ العِلمَ الضَّرُورِيَّ بِصُدُورِ الحُكمِ عَنِ الإمامِ عَلَيهِ السَّلام؛ وَ لِذا قَد يُتَخَلَّفُ؛ لِاِحتِمالِ مُخالَفَةِ مَن تَقَدَّمَ عَلَيهِم أو أكثَرِهِم. نَعَم يُفيدُ العِلمَ مِن بابِ وُجُوبِ اللُّطفِ الَّذي لانَقُولُ بِجَريانِهِ فِي المَقامِ، كَما قُرِّرَ في مَحَلِّهِ.
مَعَ أنَّ عُلَماءَ العَصرِ إذا كَثُرُوا- كَما فِي الأعصارِ السّابِقَةِ- يَتَعَذَّرُ أو يَتَعَسَّرُ الاِطِّلاعُ عَلَيهِم حِسّاً بِحَيثُ يُقطَعُ بِعَدَمِ مَن سِواهُم فِي العَصرِ، إلّا إذا كانَ العُلَماءُ في عَصرٍ قَليلينَ يُمكِنُ الإحاطَةُ بِرَأيِهِم فِي المَسألَةِ فَيُدَّعَى الإجماعُ، إلّا أنَّ مِثلَ هذَا الأمرِ المَحسُوسِ لايَستَلزِمُ عادَةً لِمُوافَقَةِ المَعصُومِ عَلَيهِ السَّلام.
فَالمَحسُوسُ المُستَلزِمُ عادَةً لِقَولِ الإمامِ عَلَيهِ السَّلام مُستَحيلُ التَّحَقُّقِ لِلنّاقِلِ، وَ المُمكِنُ المُتَحَقَّقُ لَهُ غَيرُ مُستَلزِمٍ عادَةً.