محامل الإجماعات المنقولة المستندة إلی الحدس
وَ كَيفَ كانَ: فَإذَا ادَّعَى النّاقِلُ الإجماعَ خُصُوصاً إذا كانَ ظاهِرُهُ اتِّفاقَ جَميعِ عُلَماءِ الأعصارِ أو أكثَرِهِم إلّا مَن شَذَّ- كَما هُوَ الغالِبُ في إجماعاتِ مِثلِ الفاضِلَينِ وَ الشَّهيدَينِ- انحَصَرَ مَحمِلُهُ في وُجُوهٍ:
المحمل الأوّل: المراد هو اتّفاق المعروفین
أحَدُها: أن يُرادَ بِهِ اتِّفاقُ المَعرُوفينَ بِالفَتوى، دُونَ كُلِّ قابِلٍ لِلفَتوى مِن أهلِ عَصرِهِ أو مُطلَقاً.
المحمل الثاني: المراد هو اتّفاق المعروفین من أهل عصر الناقل
الثّاني: أن يُريدَ إجماعَ الكُلِّ ، وَ يَستَفيدُ ذلِكَ مِنَ اتِّفاقِ المَعرُوفينَ مِن أهلِ عَصرِهِ.
وَ هذِهِ الاِستِفادَةُ لَيسَت ضَرُورِيَّةً وَ إن كانَ قَد تَحصُلُ؛ لِأنَّ اتِّفاقَ أهلِ عَصرِهِ- فَضلاً عَنِ المَعرُوفينَ مِنهُم- لايَستَلزِمُ عادَةً اتِّفاقَ غَيرِهِم وَ مَن قَبلَهُم، خُصُوصاً بَعدَ مُلاحَظَةِ التَّخَلُّفِ في كَثيرٍ مِنَ المَوارِدِ لايَسَعُ هذِهِ الرِّسالَةُ لِذِكرِ مِعشارِها. وَ لَو فُرِضَ حُصُولُهُ لِلمُخبِرِ كانَ مِن بابِ الحَدسِ الحاصِلِ عَمّا لايُوجِبُ العِلمَ عادَةً. نَعَم هِيَ أمارَةٌ ظَنِّيَّةٌ عَلى ذلِكَ؛ لِأنَّ الغالِبَ فِي الاِتِّفاقِيّاتِ عِندَ أهلِ عَصرٍ كَونُهُ مِنَ الاِتِّفاقِيّاتِ عِندَ مَن تَقَدَّمَهُم. وَ قَد يَحصُلُ العِلمُ بِضَميمَةِ أماراتٍ أُخَرَ، لكِنَّ الكَلامَ في كَونِ الاِتِّفاقِ مُستَنَداً إلَى الحِسِّ أو إلى حَدسٍ لازِمٍ عادَةً لِلحِسِّ.
وَ أُلحِقَ بِذلِكَ: ما إذا عُلِمَ اتِّفاقُ الكُلِّ مِنَ اتِّفاقِ جَماعَةٍ لِحُسنِ ظَنِّهِ بِهِم، كَما ذَكَرَهُ في أوائِلِ المُعتَبَرِ، حَيثُ قالَ: «وَ مِنَ المُقَلَّدَةِ مَن لَو طالِبتَهُ بِدَليلِ المَسألَةِ ادَّعَى الإجماعَ؛ لِوُجُودِهِ في كُتُبِ الثَّلاثَةِ قَدَّسَت أسرارُهُم، وَ هُوَ جَهلٌ إن لَم يَكُن تَجاهُلاً».
فَإنَّ في تَوصيفِ المُدَّعي بِكَونِهِ مُقَلِّداً مَعَ أنّا نَعلَمُ أنَّهُ لايَدَّعِي الإجماعَ إلّا عَن عِلمٍ، إشارَةً إلَى استِنادِهِ في دَعواهُ إلى حُسنِ الظَّنِّ بِهِم وَ أنَّ جَزمَهُ في غَيرِ مَحَلِّهِ، فَافهَم.
المحمل الثالث: المراد هو الاتّفاق الحدسي الحاصل من القواعد المتّفق علیها
الثّالِثُ: أن يَستَفيدَ اتِّفاقَ الكُلِّ عَلَى الفَتوى مِنِ اتِّفاقِهِم عَلَى العَمَلِ بِالأصلِ عِندَ عَدَمِ الدَّليلِ، أو بِعُمُومِ دَليلٍ عِندَ عَدَمِ وِجدانِ المُخَصِّصِ، أو بِخَبَرٍ مُعتَبَرٍ عِندَ عَدَمِ وِجدانِ المُعارِضِ، أو اتِّفاقِهِم عَلى مَسألَةٍ أُصُولِيَّةٍ- نَقلِيَّةٍ أو عَقلِيَّةٍ- يَستَلزِمُ القَولُ بِها الحُكمَ فِي المَسألَةِ المَفرُوضَةِ، وَ غَيرِ ذلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُتَّفَقِ عَلَيها الَّتي يَلزَمُ بِاعتِقادِ المُدَّعي مِنَ القَولِ بِها- مَعَ فَرضِ عَدَمِ المُعارِضِ- القَولُ بِالحُكمِ المُعَيَّنِ فِي المَسألَةِ.