المحمل الثالث: المراد هو الاتّفاق الحدسي الحاصل من القواعد المتفق علیها
وَ مِنَ المَعلُومِ: أنَّ نِسبَةَ هذَا الحُكمِ إلَى العُلَماءِ في مِثلِ ذلِكَ لا یَنشَأْ إلّا مِن مُقَدِّمَتَينِ أثبَتَهُما المُدَّعي بِاجتِهادِهِ:
إحداهُما: كَونُ ذلِكَ الأمرِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ مُقتَضِياً وَ دَليلاً لِلحُكمِ لَولا المانِعُ.
وَ الثّانِيَةُ: انتِفاءُ المانِعِ وَ المُعارِضِ. وَ مِنَ المَعلُومِ أنَّ الاِستِنادَ إلَى الخَبَرِ المُستَنَدِ إلى ذلِكَ غَيرُ جائِزٍ عِندَ أحَدٍ مِنَ العامِلينَ بِخَبَرِ الواحِدِ.
ثُمّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ الإجماعاتِ المُتَعارِضَةَ مِن شَخصٍ واحِدٍ أو مِن مُعاصِرينَ أو مُتَقارِبي العَصرین، وَ رُجُوعَ المُدَّعي عَنِ الفَتوَى الَّذي ادَّعَى الإجماعَ فِيها، وَ دَعوَى الإجماعِ في مَسائِلَ غَيرِ مُعَنوَنَةٍ في كَلامِ مَن تَقَدَّمَ عَلَى المُدَّعِي، وَ في مَسائِلَ قَدِ اشتَهَرت خِلافُها بَعدَ المُدَّعي بَل في زَمانِهِ بَل في ما قَبلِهِ، كُلُّ ذلِكَ مَبنِيٌّ عَلَى الاِستِنادِ في نِسبَةِ القَولِ إلَى العُلَماءِ عَلى هذَا الوَجهِ.
أمثلة الإجماعات المنقولة المستندة إلی الحدس
و لا بأسَ بِذِكرِ بَعضِ المَوارِدِ صَرَّحَ المُدَّعي بِنَفسِهِ أو غَيرِهِ في مَقامِ تَوجيهِ كَلامِهِ فِيها بذلِكَ.
منها: ادّعاء الإجماع من الصدوق و المفید و المرتضی في ججواز إزالة النجاسة بالماء المضاف
فَمِن ذلِك: ما وَجَّهَ المُحَقِّقُ بِهِ دَعوى المُرتَضى وَ المُفيدِ- أنَّ مِن مَذهَبِنا جَوازَ إزالَةِ النَّجاسَةِ بِغَيرِ الماءِ مِنَ المائِعاتِ- قالَ:
وَ أمّا قَولُ السّائِلِ: كَيفَ أضافَ المُفيدُ وَ السَّيِّدُ ذلِكَ إلى مَذهَبِنا وَ لا نَصَّ فِيهِ؟ فَالجَوابُ: أمّا عَلَمُ الهُدى، فَإنَّهُ ذَكَرَ فِي الخِلافِ: أنَّهُ إنَّما أضافَ ذلِكَ إلى مَذهَبِنا؛ لِأنَّ مِن أصلِنا العَمَلُ بِالأصلِ ما لَم يَثبُت النّاقِلُ، وَ لَيسَ فِي الشَّرعِ ما يَمنَعُ الإزالَةَ بِغَيرِ الماءِ مِن المائِعاتِ، ثُمَّ قالَ: وَ أمَّا المُفيدُ، فَإنَّهُ ادَّعى في مَسائِلِ الخِلافِ: أنَّ ذلِكَ مَروِيٌّ عَنِ الأئِمَّةِ عَلَيهِمُ السَّلام، انتَهى.
فَظَهَرَ مِن ذلِكَ: أنَّ نِسبَةَ السَّيِّدِ قُدِّسَ سِرُّهُ الحُكمَ المَذكُورَ إلى مَذهَبِنا مِن جِهَةِ الأصلِ.
منها: الإجماعات المدّعاة من الشیخ في بعض المسائل
وَ مِن ذلِكَ: ما عَنِ الشَّيخِ فِي الخِلافِ، حَيثُ إنَّهُ ذَكَرَ فِيما إذا بانَ فِسقُ الشّاهِدَينِ بِما يُوجِبُ القَتلَ، بَعدَ القَتلِ: بِأنَّهُ يَسقُطُ القِوَدُ وَ یَكُونُ الدِّيَةُ مِن بَيتِ المالِ. قالَ: دَليلُنا إجماعُ الفِرقَةِ؛ فَإنَّهُم رَوَوا: أنَّ ما أخطَأَتِ القُضاةُ فَفي بَيتِ مالِ المُسلِمينَ، انتَهى.
فَعلَّلَ انعِقادَ الإجماعِ بِوُجُودِ الرِّوايَةِ عِندَ الأصحابِ.