الناقشة في کلام الحليّ
وَ لايَخفى: أنَّ إخبارَهُ بِإجماعِ العُلَماءِ عَلَى الفَتوى بِالمُضايَقَةِ مَبنِيٌّ عَلَى الحَدسِ وَ الاِجتِهادِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: دَلالَةُ ذِكرِ الخَبَرِ عَلى عَمَلِ الذّاكِرِ بِهِ. وَ هذا وَ إن كانَ غالِبِيّاً إلّا أنَّهُ لايُوجِبُ القَطعَ؛ لِمُشاهَدَةِ التَّخَلُّفِ كَثيراً.
اَلثّاني: تَمامِيَّةُ دَلالَةِ تِلكَ الأخبارِ عِندَ اُولئكَ عَلَى الوُجُوبِ؛ إذ لَعَلَّهُم فَهِمُوا مِنها بِالقَرائِنِ الخارِجِيَّةِ تَأكُّدَ الاِستِحبابِ.
اَلثّالِثُ: كَونُ رُواةِ تِلكَ الرِّواياتِ مُوثُوقاً بِهِم عِندَ اُولئِكَ؛ لِأنَّ وُثُوقَ الحِلِّيِّ بِالرُّواةِ لايَدُلُّ عَلى وُثُوقِ أُولئِكَ.
مَعَ أنَّ الحِلِّيَّ لايَرى جَوازَ العَمَلِ بِأخبارِ الآحادِ وَ إن كانُوا ثِقاتٍ، وَ المُفتي إذَا استَنَدَ فَتواهُ إلى خَبَرِ الواحِدِ، لايُوجِبُ اجتِماعُ أمثالِهِ القَطعَ بِالواقِعِ، خُصوصاَ لِمَن يُخَطِّئُ العَمَلَ بِأخبارِ الآحادِ.
وَ بِالجُملَةِ: فَكَيفَ يُمكِنُ أن يُقالَ: إنَّ مِثلَ هذَا الإجماعِ إخبارٌ عَن قَولِ الإمامِ عَلَيهِ السَّلام، فَيَدخُلُ في خَبَرِ الواحِدِ؟ مَعَ أنَّهُ فِي الحَقيقَةِ اعتِمادٌ عَلَى اجتِهاداتِ الحِلِّيِّ مَعَ وُضُوحِ فَسادِ بَعضِها؛ فَإنَّ كَثيراً مِمَّن ذَكَرَ أخبارَ المُضايَقَةِ قَد ذَكَرَ أخبارَ المُواسَعَةِ أيضاً، وَ أنَّ المُفتي إذا عُلِمَ استِنادُهُ إلى مَدرِكٍ لايَصلَحُ لِلرُّكُونِ إلَيهِ- مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ أو المُعارَضَةِ- لا يُؤَثِّرُ فَتواهُ فِي الكَشفِ عَن قَولِ الإمامِ عَلَيهِ السَّلام.
وَ أوضَحُ حالاً في عَدَمِ جَوازِ الاعتِمادِ: مَا ادَّعاهُ الحِلِّيُّ مِنَ الإجماعِ عَلى وُجُوبِ فِطرَةِ الزَّوجَةِ وَ لَو كانَت ناشِزَةً عَلَى الزَّوجِ، وَ رَدَّهُ المُحَقِّقُ بِأنَّ أحَداً مِن عُلَماءِ الإسلامِ لَم يَذهَب إلى ذلِكَ.
فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الحِلِّيِّ إنَّمَا اعتَمَد فِي استِكشافِ أقوالِ العُلَماءِ عَلى تَدوينِهِم لِلرِّواياتِ الدّالَّةِ بِإطلاقِها عَلى وُجُوبِ فِطرَةِ الِزَوجَةِ عَلَى الزَّوجِ؛ مُتَخَيِّلاً أنَّ الحُكمَ مُعَلَّقٌ عَلَى الزَّوجِیَّةِ مِن حَيثُ هِيَ زَوجِیَّةٌ، وَ لَم يَتَفَطَّن لِكَونِ الحُكمِ مِن حَيثُ العَيلُولَةِ، أو وُجُوبِ الإنفاقِ.
فَكَيفَ يَجُوزُ الاِعتِمادُ في مِثلِهِ عَلَى الإخبارِ بِالاِتِّفاقِ الكاشِفِ عَن قَولِ الإمامِ عَلَيهِ السَّلام، وَ يُقالُ: إنَّها سُنَّةٌ مَحكِيَّةٌ؟
وِ ما أبعَدَ ما بَينَ مَا استَنَدَ إلَيهِ الحِلِّيُّ في هذَا المَقامِ وَ بَينَ ما ذَكَرَهُ المُحَقِّقُ في بَعضِ كَلِماتِهِ المَحكِيَّةِ، حَيثُ قالَ: