کلام المحقّق التستري في فائدة نقل الإجماع
وَ قَد جَرَت طَريقَةُ السَّلَفِ وَ الخَلَفِ مِن جَميعِ الفِرَقِ عَلى قَبُولِ أخبارِ الآحادِ في كُلِّ ذلِكَ مِمّا كانَ النَّقلُ فِيهِ عَلى وَجهِ الإجمالِ أوِ التَّفصيلِ، وَ ما تَعَلَّقَ بِالشَّرعِيّاتِ أو غَيرِها، حَتّى أنَّهُم كَثيراً مايَنقُلُونَ شَيئاً مِمّا ذُكِرَ مُعتَمِدينَ عَلى نَقلِ غَيرِهِم مِن دُونِ تَصريحٍ بِالنَّقلِ عَنهُ وَ الاِستِنادِ إلَيهِ؛ لِحُصُولِ الوُثُوقِ بِهِ وَ إن لَم يَصِل إلى مَرتَبَةِ العِلمِ، فَيَلزَمُ قَبُولُ خَبَرِ الواحِدِ فِيما نَحنُ فِيهِ أيضاً؛ لِاِشتِراكِ الجَميعِ في كَونِها نَقلَ غَيرِ مَعلُومٍ مِن غَيرِ مَعصُومٍ وَ حُصُولِ الوُثُوقِ بِالنّاقِلِ، كَما هُوَ المَفرُوضُ.
وَ لَيسَ شَيءٌ مِن ذلِكَ مِنَ الأُصُولِ حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الاِكتِفاءِ فِيهِ بِخَبرِ الواحِدِ، مَعَ أنَّ هذا الوَهمَ فاسِدٌ مِن أصلِهِ، كَما قُرِّرَ في مَحَلِّهِ.
وَ لا مِنَ الأُمُورِ المُتَجَدِّدَةِ الَّتي لَم يُعهَدِ الاِعتِمادُ فِيها عَلى خَبَرِ الواحِدِ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ الأئِمَّةِ عَلَيهِمُ السَّلام وَ الصَّحابَةِ. وَ لا مِمّا يَندُرُ اختِصاصُ مَعرِفَتِهِ بِبَعضٍ دُونَ بَعضٍ، مَعَ أنَّ هذا لايَمنَعُ مِنَ التَّعويلِ عَلى نَقلِ العارِفِ بِهِ؛ لِما ذُكِرَ.
وَ يَدُلُّ عَلَيهِ مَعَ ذلِكَ: ما دَلَّ عَلى حُجِّيَّةِ خَبَرِ الثِّقَةِ العَدلِ بِقَولٍ مُطلَقٍ. وَ مَا اقتَضى كِفايَةَ الظَّنِّ فِيما لا غِنىً عَن مَعرِفَتِهِ وَ لا طَريقَ إلَيهِ غَيرُهُ غالِباً؛ إذ مِنَ المَعلُومِ شِدَّةُ الحاجَةِ إلى مَعرِفَةِ أقوالِ عُلَماءِ الفَريقَينِ وَ آراءِ سائِرِ أربابِ العُلُومِ لِمَقاصِدَ شَتّى لا مَحيصَ عَنها، كَمَعرِفَةِ المُجمَعِ عَلَيهِ وَ المَشهُورِ وَ الشّاذِّ مِنَ الأخبارِ وَ الأقوالِ، وَ المُوافِقِ لِلعامَّةِ أو أكثَرِهِم وَ المُخالِفِ لَهُم، وَ الثِّقَةِ وَ الأوثَقِ وَ الأورَعِ وَ الأفقَهِ، وَ كَمَعرِفَةِ اللُّغاتِ وَ شَواهِدِها المَنثُورَةِ وَ المَنظُومَةِ، وَ قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ الَّتي عَلَيها يَبتَنِي استِنباطُ المَطالِبِ الشَّرعِيَّةِ، وَ فَهمِ مَعاني الأقاريرِ وَ الوَصايا وَ سائِرِ العُقُودِ وَ الاِيقاعاتِ المُشتَبِهَةِ، وَ غَيرِ ذلِكَ مِمّا لا يَخفى عَلَى المُتَأمِّلِ.
وَ لا طَريقَ إلى مَا اشتَبَهَ مِن جَميعِ ذلِكَ- غالِباً- سِوَى النَّقلِ الغَيرِ المُوجِبِ لِلعِلمِ، وَ الرُّجُوعِ إلَى الكُتُبِ المُصَحَّحَةِ ظاهِراً، وَ سائِرِ الأماراتِ الظَّنِّيَّةِ، فَيَلزَمُ جَوازُ العَمَلِ بِها وَ التَّعويلُ عَلَيها فِيما ذُكِرَ.
فَيَكُونُ خَبَرُ الواحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةً مُعتَمِداً عَلَيها فِيما نَحنُ فِيهِ، وَ لا سِيَّما إذا كانَ النّاقِلُ مِنَ الأفاضِلِ الأعلامِ وَ الأجِلّاءِ الكِرامِ كَما هُوَ الغالِبُ،