الایراد الثاني: تعارض المفهوم و التعلیل
وَ هذَا الإيرادُ مَبنِيٌّ عَلى أنّ المُرادَ بِالتَّبَيُّنِ هُوَ التَّبَيُّنُ العِلمِيِّ كَما هُوَ مُقتَضَى اشتِقاقِهِ.
وَ يُمكِنُ أن يُقالَ: إنَّ المُرادَ مِنهُ يَعُمُّ الظُّهُورَ العُرفِيِّ الحاصِلَ مِنَ الاِطمِئنانِ الَّذي هُوَ مُقابِلَةُ الجَهالَةِ، وَ هذا وَ إن كانَ يَدفَعُ الإيرادَ المَذكُورَ عَنِ المَفهُومِ؛ مِن حَيثُ رُجُوعِ الفَرقِ بَينَ الفاسِقِ وَ العادِلِ في وُجُوبِ التَّبَيُّنِ إلى: أنَّ العادِلَ الواقِعِيَّ يَحصُلُ مِنهُ غالِباً الاِطمِئنانُ المَذكُورُ بِخِلافِ الفاسِقِ؛ فَلِهذا وَجَبَ فِيهِ تَحصيلُ الاِطمِئنانِ مِنَ الخارِجِ، لكِنَّكَ خَبيرٌ بَأنَّ الاِستِدلالَ بِالمَفهُومِ عَلى حُجِّيَّةِ خَبَرِ العادِلِ المُفيدِ لِلاِطمِئنانِ غَيرُ مُحتاجٍ إلَيهِ؛ إذِ المَنطُوقُ عَلى هذَا التَّقريرِ يَدُلُّ عَلى حُجِّيَّةِ كُلِّ ما يُفيدُ الاِطمِئنانَ كَما لايَخفىٰ، فَيَثبُتُ اعتِبارُ مَرتَبَةٍ خاصَّةٍ مِن مُطلَقِ الظَّنِّ .
ثُمَّ إنَّ المُحكِيَّ عَن بَعضٍ : مَنعُ دَلالَةِ التَّعليلِ عَلى عَدَمِ جَوازِ الإقدامِ عَلى ما هُوَ مُخالِفٌ لِلواقِعِ؛ بِأنَّ المُرادَ بِالجَهالَةِ السَّفاهَةُ وَ فِعلُ ما لايَجُوزُ فِعلُهُ، لامُقابِلُ العِلمِ؛ بِدَليلِ قَولِهِ تَعالى: (فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ)؛ وَ لَو كانَ المُرادُ الغَلَطَ فِي الاِعتِقادِ لَما جازَ الاِعتِمادُ عَلَى الشَّهادَةِ وَ الفَتوى.
وَ فِيهِ- مُضافاً إلى كَونِهِ خِلافَ ظاهِرِ لَفظِ «الجَهالَةِ»-: أنَّ الإقدامَ عَلى مُقتَضى قَولِ الوَليدِ لَم يَكُن سَفاهَةً قَطعاً؛ إذِ العاقِلُ بَل جَماعَةٌ مِنَ العُقَلاءِ لايُقدِمُونَ عَلَى الأُمُورِ مِن دُونِ وُثُوقٍ بِخَبَرِ المُخبَرِ بِها؛ فَالآيَةُ تَدُلُّ عَلَى المَنعِ عَنِ العَمَلِ بِغَيرِ العِلمِ لِعِلَّةٍ: هِيَ كَونُهُ في مَعرَضِ المُخالَفَةِ لِلواقِعِ.