توضیح الاشکال الثالث في الاستدلال بالآیة
تَوضيحُ ذلِكَ: أنَّ المُنذِرَ إمّا أن يُنذِرَ وَ يُخَوِّفُ عَلى وَجهِ الإفتاءِ وَ نَقلِ ما هُوَ مَدلُولُ الخَبَرِ بِاجتِهادِهِ، وَ إمّا أن يُنذِرُ وَ يُخَوِّفَ بِلَفظِ الخَبَرِ حاكِياً لَهُ عَنِ الحُجَّةِ عَلَیهِ السَّلام.
فَالأوَّلُ، كَأن يَقُولَ: «يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا اللّهَ في شُربِ العَصيرِ؛ فَإنَّ شُربَهُ يُوجِبُ المُؤاخَذَةَ». وَ الثّاني، كَأن يَقُولَ في مَقامِ التَّخويفِ.
قالَ الإمامُ عَلَيهِ السَّلام: «مَن شَرِبَ العَصيرَ فَكَأنَّما شَرِبَ الخَمرَ».
أمّا الإنذارُ عَلَى الوَجهِ الأوَّلِ، فَلايَجِبُ الحَذَرُ عَقيبَهُ إلّا عَلَى المُقَلِّدينَ لِهذا المُفتي.
وَ أمّا الثّاني، فَلَهُ جِهَتانِ: إحداهُما: جِهَةُ تَخويفٍ و إيعادٍ. وَ الثّانِيَةُ: جِهَةُ حِكايَةِ قَولٍ مِنَ الإمامِ عَلَيهِ السَّلام.
وَ مِنَ المَعلُومِ أنَّ الجِهَةَ الأُولى تَرجِعُ إلَى الاِجتِهادِ في مَعنَى الحِكايَةِ، فَهِيَ لَيسَت حُجَّةً إلّا عَلى مَن هُوَ مُقَلِّدٌ لَهُ؛ إذ هُوَ الَّذي يَجِبُ عَلَيهِ التَّخَوُّفُ عِندَ تَخويفِهِ.
وَ أمّا الجِهَةُ الثّانِيَةُ، فَهِيَ الَّتي یَنفَعُ المُجتَهِدَ الآخَرَ الَّذي يَسمَعُ مِنهُ هذِهِ الحِكايَةُ، لكِنَّ وَظيفَتَهُ مُجَرَّدُ تَصديقِهِ في صُدُورِ هذَا الكَلامِ عَنِ الإمامِ عَلَيهِ السَّلام، وَ أمّا أنَّ مَدلُولَهُ مُتَضَمِّنٌ لِما يُوجِبُ التَّحريمَ المُوجِبَ لِلخَوفِ أوِ الكَراهَةِ، فَهُوَ مِمّا لَيسَ فَهمُ المُنذِرِ حَجَّةً فيهِ بِالنِّسبَةِ إلى هذَا المُجتَهِدِ.
فَالآيَةُ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ التَّخَوُّفِ عِندَ تَخويفِ المُنذِرينَ مُختَصَّةٌ بِمَن يَجِبُ عَلَيهِمُ اتِّباعُ المُنذِرِ في مَضمُونِ الحِكايَةِ وَ هُوَ المُقَلِّدُ لَهُ؛ لِلإجماعِ عَلى أنَّهُ لايَجِبُ عَلَى المُجتَهِدِ التَّخَوُّفُ عِندَ إنذارِ غَيرِهِ. إنَّما الكَلامُ في أنَّهُ هَل يَجِبُ عَلَيهِ تَصديقُ غَيرِهِ فِي الألفاظِ وَ الأصواتِ الَّتي يَحكيها عَنِ المَعصُومِ عَلَيهِ السَّلامِ أم لا؟ وَ الآيَةُ لاتَدُلُّ عَلى وُجُوبِ ذلِكَ عَلى مَن لايَجِبُ عَلَيهِ التَّخَوُّفُ عِندَ التَّخويفِ.
الحق الاستدلال بالآیة علی وجوب الاجتهاد
فَالحَقُّ: أنَّ الاِستِدلالَ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ الاِجتِهادِ كِفايَةً وَ وُجُوبِ التَّقليدِ عَلَى العَوامِّ، أَولى مِنَ الاِستِدلالِ بِها عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِالخَبَرِ.
کلام الشیخ البَهائِيُّ في المقام
وَ ذَكَرَ شَيخُنا البَهائِيُّ قُدِّسَ سِرُّه في أوَّلِ أربَعينِهِ:
أنَّ الاِستِدلالَ بِالنَّبَوِيِّ صَلَّی اللّهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ المَشهُورِ: «مَن حَفِظَ عَلى أُمَّتي أربَعينَ حَديثاً بَعَثَهُ اللّهُ يَومَ القِيامَةِ فَقيهاً عالِماً» عَلى حُجِّيَّةِ الخَبَرِ، لايَقصُرُ عَنِ الاِستِدلالِ عَلَيها بِهذِهِ الآيَةِ.
وَ كَأنَّ فيهِ إشارَةُ إلى ضَعفِ الاِستِدلالِ بِها؛ لِأنَّ الاِستِدلالَ بِالحَديثِ المَذكُورِ ضَعيفٌ جِدّاً، كَما سَيَجِيءُ إن شاءَ اللّهُ عِندَ ذِكرِ الأخبارِ.