المناقشة في الاستدلال بآیة الاُذُون
وَ يُؤَيِّدُهُ أيضاً: ما عَنِ القُمِّيِ رَحِمَهُ اللّه في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ: «أنَّهُ نَمَّ مُنافِقٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ، فَأخبَرَهُ اللّهُ ذلِكَ ، فَأحضَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَأَلَهُ، فَحَلَفَ: أنَّهُ لَم يَكُن شَيءٌ مِمّا يَنُمُّ عَلَيهِ، فَقَبِلَ مِنهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ، فَأَخَذَ هذَا الرَّجُلُ بَعدَ ذلِكَ يَطعَنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ و آلِهِ وَ يَقُولُ: إنَّهُ يَقبَلُ كُلَّ ما يَسمَعُ، أخبَرَهُ اللّهُ أنّي أنَمُُّ عَلَيهِ وَ أنقُلُ أخبارَهُ فَقَبِلَ، وَ أخبَرتُهُ أنّي لَم أفعَل فَقَبِلَ، فَرَدَّهُ اللّهُ تَعالىٰ بِقَولِهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ)».
وَ مِنَ المَعلُومِ: أنَّ تَصديقَهُ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ لِلمُنافِقِ لَم يَكُن بِتَرتيبِ آثارِ الصِّدقِ عَلَيهِ مُطلَقاً.
وَ هذَا التَّفسيرُ صَريحٌ في أنَّ المُرادَ مِنَ «المُؤمِنينَ»: المُقِرُّونَ بِالإيمانِ مِن غَيرِ اعتِقادٍ، فَيَكُونُ الإيمانُ لَهُم عَلى حَسَبِ إيمانِهِم.
وَ يَشهَدُ بِتَغايُرِ مَعنَى الإيمانِ فِي المَوضِعَينِ - مُضافاً إلى تَكرارِ لَفظِهِ-: تَعدِيَتُهُ فِي الأوَّلِ بِالباءِ وَ فِي الثّاني بِاللّامِ، فَافهَم.
وَ أمّا تَوجيهُ الرِّوايَةِ، فَيَحتاجُ إلى بَيانِ مَعنَى التَّصديقِ، فَنَقُولُ: إنَّ المُسلِمَ إذا أخبَرَ بِشَيءٍ فَلِتَصديقِهِ مَعنِيانِ:
أحَدُهُما: ما يَقتَضيهِ أدِلَّةُ تَنزيلِ فِعلِ المُسلِمِ عَلَى الصَّحيحِ وَ الأحسَنِ؛ فَإنَّ الإخبارَ مِن حَيثُ إنَّهُ فِعلٌ مِن أفعالِ المُكَلَّفينَ، صَحيحُهُ ما كانَ مُباحاً، وَ فاسِدُهُ ما كانَ نَقيضَهُ، كَالكِذبِ وَ الغَيبَةِ وَ نَحوِها، فَحَملُ الإخبارِ عَلَى الصّادِقِ حَملٌ عَلى أحسَنِهِ.
وَ الثّاني: هُوَ حَملُ إخبارِهِ مِن حَيثُ إنَّهُ لَفظٌ دالٌّ عَلى مَعنىٍ يُحتَمَلُ مُطابَقَتُهُ لِلواقِعِ وَ عَدَمُها، عَلى كَونِهِ مُطابقاً لُلواقِعِ بِتَرتيبِ آثارِ الواقِعِ عَلَيهِ.
وَ المَعنَى الثّاني هُوَ الَّذي يُرادُ مِنَ العَمَلِ بِخَبَرِ العادِلِ. وَ أمّا المَعنَى الأوَّلُ، فَهُوَ الَّذي يَقتَضيهِ أدِلَّةُ حَملِ فِعلِ المُسلِمِ عَلَى الصَّحيحِ وَ الأحسَنِ، وَ هُوَ ظاهِرُ الأخبارِ الوارِدَةِ في: أنَّ مِن حَقِّ المُؤمِنِ عَلَى المُؤمِنِ أن يُصَدِّقَهُ وَ لا يَتَّهِمَهُ، خُصُواً مِثلَ قَولِهِ عَلَيهِ السَّلام: «يا أبا مُحَمَّدٍ، كَذِّب سَمعَكَ وَ بَصَرَكَ عَن أخيكَ، فَإن شَهِدَ عِندَكَ خَمسُونَ قَسامَةً: أنَّهُ قالَ قَولاً، وَ قالَ: لَم أقُلهُ، فَصَدِّقهُ وَ كَذِّبهُم ... الخَبَرَ».
فَإنَّ تَكذيبَ القَسامَةِ مَعَ كَونِهِم أيضاً مُؤمِنينَ، لايُرادُ مِنهُ إلّا عَدَمُ تَرتيبِ آثارِ الواقِعِ عَلى كَلامِهِم، لا ما يُقابِلُ تَصديقَ المَشهُودِ عَلَيهِ؛ فَإنَّهُ تَرجيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ، بَل تَرجيحُ المَرجُوحِ.
نَعَم، خَرَجَ مِن ذلِكَ مَواضِعُ وُجُوبِ قَبُولِ شَهادَةِ المُؤمِنِ عَلَى المُؤمِنِ وَ إن أنكَرَ المَشهُودُ عَلَيهِ.