دعوی الشیخ الطوسي الإجماع
ثُمَّ أورَدَ عَلى نَفسِهِ: بِأنَّ العَقلَ إذا جَوَّزَ التَّعَبُّدَ بِخَبرِ الواحِدِ، وَ الشَّرعَ وَرَدَ بِهِ، فَما الَّذي يَحمِلُكُم عَلَى الفَرقِ بَينَ ما يَرويهِ الطّائِفَةُ المُحِقَّةُ وَ بَينَ ما يَرويهِ أصحابُ الحَديثِ مِنَ العامَّةِ؟
ثُمَّ أجابَ عن ذلِكَ: بِأنَّ خَبَرَ الواحِدِ إذا كانَ دَليلاً شَرعِيّاً فَيَنبَغي أن يُستَعمَلَ بِحَسبِ ما قَرَّرَتهُ الشَّريعَةُ، وَ الشّارِعُ يَرَى العَمَلَ بِخَبَرِ طائِفَةٍ خاصَّةٍ، فَلَيسَ لَنا التَّعَدّي إلى غَيرِها. عَلى أنَّ العَدالَةَ شَرطٌ فِي الخَبَرِ بِلا خِلافٍ، وَ مَن خالَفَ الحَقَّ لَم يَثبُت عَدالَتُهُ، بَل ثَبَتَ فِسقُهُ.
ثُمَّ أَورَدَ عَلى نَفسِهِ: بِأنَّ العَمَلَ بِخَبَرِ الواحِدِ يُوجِبُ كَونَ الحَقِّ في جِهَتَينِ عِندَ تَعارُضِ خَبَرَينِ.
ثُمَّ أجابَ- أوَّلاً-: بِالنَّقضِ بِلُزُومِ ذلِكَ عِندَ مَن مَنَعَ العَمَلَ بِخَبَرِ الواحِدِ إذا كانَ هُناكَ خَبَرانِ مُتَعارِضانِ؛ فَإنَّهُ يَقُولُ مَعَ عَدَمِ التَّرجيحِ بِالتَّخييرِ، فَإذا اختارَ كُلّاً مِنهُما إنسانٌ لَزِمَ كَونُ الحَقِّ في جِهَتَينِ، وَ أيَّدَ ذلِكَ: بِأنَّهُ قَد سُئِلَ الصّادِقُ عَلَيهِ السَّلام عَنِ اختِلافِ أصحابِهِ فِي المَواقيتِ وَ غَيرِها، فَقالَ عَلَيهِ السَّلام: «أنا خالَفتُ بَينَهُم». ثُمَّ قالَ بعدَ ذلِكَ:
فَإن قيلَ: كَيفَ تَعمَلُونَ بِهٰذِهِ الأخبارِ، وَ نَحنُ نَعلَمُ أنَّ رُواتَها كَما رَوَوها رَوَوا أيضاً أخبارَ الجَبرِ وَ التَّفويضِ وَ غَيرِ ذلِكَ مِنَ الغُلُوِّ وَ التَّناسُخِ وَ غَيرِ ذلِكَ مِنَ المَناكيرِ، فَكَيفَ يَجُوزُ الاِعتِمادُ عَلى ما يَرويهِ أمثالُ هؤُلاءِ؟
قُلنا لَهُم: لَيسَ كُلُّ الثِّقاتِ نَقَلَ حَديثَ الجَبرِ وَ التَّشبيهِ، وَ لَو صَحَّ أنَّهُ نَقَلَ لَم يَدُلَّ عَلى أنَّهُ كانَ مُعتَقِداً لِما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ؛ وَ لا يَمتَنِعُ أن يَكُونَ إنَّما رَواهُ لِيَعلَمَ أنَّهُ لَم يَشُذَّ عَنهُ شَيءٌ مِنَ الرِّواياتِ، لا لِأنَّهُ مُعتَقِدُ ذلِكَ، وَ نَحنُ لَم نَعتَمِد عَلى مُجَرَّدِ نَقلِهِم، بَلِ اعتَمَدنا عَلَى العَمَلِ الصّادِرِ مِن جِهَتِهِم وَ ارتِفاعِ النِّزاعِ فيما بَينَهُم، وَ أمّا مُجَرَّدُ الرِّوايَةِ فَلا حُجِّيَّةَ فيهِ عَلى حالٍ.