کلام الشیخ حسین الکرکي
وَ إِلَّا فَكَيفَ يُظَنُّ بِأَكَابِر الفِرقَةِ النَاجِيَةِ وَ أَصحَابِ الأَئِمَّةِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيهِم- مَعَ قُدرَتِهِم عَلى أَخِذ اُصُولِ الدِينِ وَ فُرُوعِهِ مِنهُم عَلَيهِمُ السَّلام بِطَرِيقِ اليَقِينِ- أَن يُعَوِّلُوا فِيهَا عَلى أَخبَارِ الآحَادِ المُجَرَّدَةِ، مَعَ أَنَّ مَذهَبَ العَلَّامَةَ قُدَّسَ سِرُّهُ وَ غَيرِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي اُصُولِ الدِينِ مِنَ الدَلِيلِ القَطعِيِّ، وَ أَنَّ المُقَلِّدَ فِي ذَلِك خَارِجٌ عَن رِبقَةِ الإِسلاَمِ؟ وَ لِلعَلَّامَةِ قُدَّسَ سِرُّهُ وَ غَيرِهِ كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الغَفَلاتِ؛ لِاُلفَةِ أذهَانِهِم بِاُصُولِ العَامَّةِ.
وَ مَن تَتَبَّعَ كُتُبَ القُدَمَاءِ وَ عَرَفَ أَحوَالَهُم، قَطَعَ بِأَنَّ الأَخبَارِيِّينَ مِن أَصحَابِنَا لَم يَكُونُوا يُعَوِّلُونَ فِي عَقَائِدِهِم إِلَّا عَلَى الأَخَبَارِ المُتَوَاتِرَةِ أَوِ الآحَادِ المَحفُوفَةِ بِالقَرَائِنِ المُفِيدَةِ لِلعِلمِ، وَ أَمَّا خَبَرُ الوَاحِدِ فَيُوجِبُ عِندَهُم الاِحتِيَاطِ دُونَ القَضَاءِ وَ الاِفتَاءِ، وَ اللَّهُ الهَادِي، انتَهَى كَلَامُهُ.
المناقشة في ما افاده الاستر آبادي و الکرکي
أَقُولُ: أَمَّا دَعوَى دَلَالَةِ كَلاَمِ الشَيخِ قُدَّسَ سِرُّهُ فِي العُدَّةِ عَلى عَمَلِهِ بِالأَخبَارِ المَحفُوفَةِ بِالقَرَائِنِ العِلمِيَّةِ دُونَ المُجَرَّدَةِ عَنهَا وَ أَنَّهُ لَيسَ مُخَالِفاً لِلسَيِّدِ قُدَّسَ سِرُّهُمَا، فَهُوَ كَمُصَادَمَةِ الضَرُورَةِ؛ فَإِنَّ فِي العِبَارَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ العُدَّةِ وَ غَيرِهَا مِمَّا لَم نَذكُرهَا مَوَاضِعَ تَدُلُّ عَلى مُخَالَفَةِ السَيِّدِ قُدَّسَ سِرُّهُ.
نَعَم، يُوَافِقُهُ فِي العَمَلِ بَهَذِهِ الأَخبَارِ المُدَوَّنَةِ، إِلَّا أَنَّ السَيِّدَ قُدَّسَ سِرُّهُ يَدَّعِي تَوَاتُرَها لَهُ أَو احتِفَافِهَا بِالقَرِينَةِ المُفِيدَةِ لِلعِلمِ؛ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مَحكِيِّ كَلَامِهِ فِي جَوَابِ المَسَائِلِ التَبَّاینات: مِن أَنَّ أَكثَرَ أَخبَارِنَا المَروِيَّةِ فِي كُتُبِنَا مَعلُومَةٌ مَقطُوعٌ عَلى صِحَّتِهَا، إِمَّا بِالتَوَاتُرِ أَو بِأَمَارَةٍ وَ عَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِهَا وَ صِدقِ رُوَاتِهَا، فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلعِلمِ مُفِيدَةٌ لِلقَطعِ وَ إِن وَجَدنَاهَا فِي الكُتُبِ مُودَعَةً بِسَنَدٍ مَخصُوصٍ مِن طَرِيقِ الآحَادِ، انتَهَى.
وَ الشَيخُ يَأبَى عَنِ احتِفَافِهَا بِهَا ، كَمَا عَرفَتَكَلَامَهُ السَابِقَ فِي جَوَابِ مَا أَورَدَهُ عَلى نَفسِهِ بِقَولِهِ: فَإِنَ قِيلَ: مَا أَنكَرتُم أَن يكُونَ الُّذِينَ أَشَرتُم إِلَيهِم لَم يَعمَلوُا بِهَذِهِ الأَخبَارِ بِمُجَرَّدِهَا، بَل إِنَّمَا عمَلُوا بِهَا لِقَرَائِنِ اقتَرَنتُ بِهَا دَلَّتهُم عَلَى صِحَّتِهَا، إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ.
وَ مُجَرَّدُ عَمَلِ السَيِّدِ وَ الشَيخِ بَخَبَرٍ خَاصٍّ- لِدَعوَى الأَوَّلِ تَوَاتُرَهُ، وَ الثَانِي كَونَ خَبَرِ الوَاحِدِ حُجَّةً- لَا يَلزَمُ مِنهُ تَوَافُقُهُمَا فِي مَسأَلَةِ خَبَرِ الوَاحِدِ؛ فَإِنَّ الخِلَافَ فِيهَا يُثمِرُ فِي خَبَرٍ يَدَّعِي السَيِّدُ تَوَاتُرَهُ وَ لَا يَرَاهُ الشَيخُ جَامِعاً لِشَرَائِطِ الخَبَرِ المُعتَبَرِ، وَ فِي خَبَرٍ يَرَاهُ الشَيخُ جَامِعاً وَ لَم يَحصُلُ تَوَاتُرُهُ لِلسَيِّدِ؛ إِذ لَيسَ جَمِيعِ مَا دُوِّنَ فِي الكُتُبِ مُتَوَاتِراً عِندَ السَيِّدِ وَ لَا جَامِعاً لِشَرَائِطِ الحُجِّيَّةِ عِندَ الشَيخِ.