الجواب عن الایراد الثالث
و أمّا الاجتهاد الواجب كفايةً عند انسداد باب العلم- فمع أنّه شيءٌ يقضي بوجوبه الأدلّة القطعيّة، فلا ينظر إلى تعسّره و تيسّره- فهو ليس أمراً حرجاً ، خصوصاً بالنسبة إلى أهله؛ فإنّ مزاولة العلوم لأهلها ليس بأشقّ من أكثر المشاغل الصعبة التي يتحمّلها الناس لمعاشهم، و كيف كان فلا يقاس عليه.
و أمّا عمل العباد بالاحتياط و مراقبة ما هو أحوط الأمرين أو الاُمور في الوقائع الشخصيّة إذا دار الأمر فيها بين الاحتياطات المتعارضة، فإنّ هذا دونه خرط القَتاد؛ إذ أوقات المجتهد لا يفي بتميّز موارد الاحتياطات ، ثمّ إرشادِ المقلّدين إلى ترجيح بعض الاحتياطات على بعض عند تعارضها في الموارد الشخصيّة التي یتّفق للمقلّدين، كما مثّلنا لك سابقاً بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر.
الرد علی الاحتیاط بوجوه
و قد يُردّ الاحتياط بوجوهٍ أخر غير ما ذكرنا من الإجماع و الحرج:
الوجه الاول عدم الدلیل علی الاحتیاط
منها: أنّه لا دليل على وجوب الاحتياط، و أنّ الاحتياط أمرٌ مستحبّ إذا لم يوجب إلغاء الحقوق الواجبة.
المناقشة في الوجه الاول
و فيه: أنّه إن اُريد أنّه لا دليل على وجوبه في كلّ واقعةٍ إذا لوحظت مع قطع النظر عن العلم الإجماليّ بوجود التكليف بينها و بين الوقائع الأخر، فهو مسلّمٌ بمعنى: أنّ كلّ واقعةٍ ليس ممّا يقتضي الجهلُ فيها- بنفسها للاحتياط بل الشكّ فيها إن رجع إلى التكليف- كما في شرب التتن و وجوب الدعاء عند رؤية الهلال- لم يجب فيها الاحتياط، و إن رجع إلى تعيين المكلّف به- كالشكّ في القصر و الإتمام و الظهر و الجمعة، و كالشكّ في مدخليّة شيءٍ في العبادات بناءً على وجوب الاحتياط فيما شكّ في مدخليّته- وجب فيها الاحتياط، لكن وجوب الاحتياط في ما نحن فيه في الوقائع المجهولة من جهة العلم الإجماليّ بوجود الواجبات و المحرّمات فيها و إن كان الشكّ في نفس الواقعة شكّاً في التكليف؛ و لذا ذكرنا سابقاً أنّ الاحتياط هو مقتضى القاعدة الأوّليّة عند انسداد باب العلم.
نعم، من لا يوجب الاحتياط حتّى مع العلم الإجماليّ التكليف فهو مستريحٌ عن كلفة الجواب عن الاحتياط.