الناقشة الثانیة
و ثانياً: لو سلّمنا وجوب المعرفة أو احتمال وجوبها الموجب للاحتياط، فإنّما هو مع التمكّن من المعرفة العلميّة، أمّا مع عدم التمكّن فلا دليل عليه قطعاً؛ لأنّ اعتبار معرفة الوجه إن كان لتوقّف نيّة الوجه عليها، فلا يخفى أنّه لا يجدي المعرفة الظنّيّة في نيّة الوجه؛ فإنّ مجرّد الظنّ بوجوب شيءٍ لا يتأتّى معه القصد لوجوبه؛ إذ لا بدّ من الجزم بالنیّة و لو اكتفي بمجرّد الظنّ بالوجوب- و لو لم يكن نيّةً حقيقةً- فهو ممّا لا يفي بوجوبه ما ذكروه في اشتراط نيّة الوجه. نعم، لو كان الظنّ المذكور ممّا ثبت وجوب العمل به تحقّق معه نيّة الوجه الظاهريّ على سبيل الجزم. لكنّ الكلام بعدُ في وجوب العمل بالظنّ.
فالتحقيق: أنّ الظنّ بالوجه إذا لم يثبت حجّيّته فهو كالشكّ فيه لا وجه لمراعاة نيّة الوجه معه أصلاً.
و إن كان اعتبارها لأجل توقّف الامتثال التفصيليّ المطلوب عقلاً و شرعاً عليه- و لذا أجمعوا ظاهراً على عدم كفاية الامتثال الإجماليّ مع التمكّن عن التفصيليّ، بأن يتمكّن من الصلاة إلى القبلة في مكانٍ و يصلّي في مكانٍ آخر غير معلوم القبلة إلى أربع جهات، أو يصلّي في ثوبين مشتبهين أو أكثر مرّتين أو أكثر مع إمكان صلاةٍ واحدة في ثوبٍ معلوم الطهارة، إلى غير ذلك- ففيه:
أنّ ذلك إنّما هو مع التمكّن من العلم التفصيليّ، و أمّا مع عدم التمكّن منه- كما في ما نحن فيه- فلا دليل على ترجيح الامتثال التفصيليّ الظنّي على الامتثال الإجماليّ العلميّ؛ إذ لا دليل على ترجيح صلاةٍ واحدة في مكانٍ إلى جهةٍ مظنونة على الصلاة المكرّرة في مكانٍ مشتبه الجهة، بل بناء العقلاء في إطاعاتهم العرفيّة على ترجيح العلم الإجماليّ على الظنّ التفصيليّ.