العمل بظاهر الکتاب و الخبر المتواتر في اصول الدین
و اعتبار الظنّ مطلقا أو الظنّ الخاصّ- سواء كان من الظواهر أو غيرها- معناه: ترتيب الآثار المتفرّعة على نفس الأمر المظنون لا على العلم به.
و أمّا ما يتراءى من التمسّك بها أحيانا لبعض العقائد؛ فلاعتضاد مدلولها بتعدّد الظواهر و غيرها من القرائن، و إفادة كلّ منها الظنّ، فيحصل من المجموع القطع بالمسألة، و ليس استنادهم في تلك المسألة إلى مجرّد أصالة الحقيقة التي لا تفيد الظنّ بإرادة الظاهر، فضلا عن العلم.
الفرق بين ما يجب تحصيل العلم به عمّا لا يجب
ثمّ، إنّ الفرق بين القسمين المذكورين، و تميّز ما يجب تحصيل العلم به عمّا لا يجب في غاية الإشكال.
و قد ذكر العلّامة قدّس سرّه في الباب الحادي عشر- فيما يجب معرفته على كلّ مكلّف من تفاصيل التوحيد و النبوّة و الإمامة و المعاد- امورا لا دليل على وجوبها كذلك، مدّعيا أنّ الجاهل بها عن نظر و استدلال خارج عن ربقة الإيمان مستحقّ للعذاب الدائم . و هو في غاية الإشكال.
هل یجب معرفة التفاصیل
نعم، يمكن أن يقال: إنّ مقتضى عموم وجوب المعرفة- مثل قوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي ليعرفون، و قوله صلّى اللّه عليه و آله:
«ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس» ، بناء على أنّ الأفضليّة من الواجب خصوصا مثل الصلاة تستلزم الوجوب-، و كذا عمومات وجوب التفقّه في الدين الشامل للمعارف؛ بقرينة استشهاد الإمام عليه السّلام بها لوجوب النفر لمعرفة الإمام بعد موت الإمام السابق عليه السّلام، و عمومات طلب العلم، هو وجوب معرفة اللّه جلّ ذكره و معرفة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و معرفة الإمام و معرفة ما جاء به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على كلّ قادر يتمكّن من تحصيل العلم، فيجب الفحص حتّى يحصل اليأس، فإن حصل العلم بشيء من هذه التفاصيل اعتقد و تديّن، و إلّا توقّف و لم يتديّن بالظنّ لو حصل له.
و من هنا قد يقال: إنّ الاشتغال بالعلم المتكفّل لمعرفة اللّه و معرفة أوليائه صلوات اللّه عليهم أهمّ من الاشتغال بعلم المسائل العمليّة، بل هو المتعيّن؛ لأنّ العمل يصحّ عن تقليد، فلا يكون الاشتغال بعلمه إلّا كفائيّا، بخلاف المعرفة.
هذا، و لكنّ الإنصاف عمّن جانب الاعتساف يقتضي الإذعان بعدم التمكّن من ذلك إلّا للأوحديّ من الناس؛ لأنّ المعرفة المذكورة لا يحصل إلّا بعد تحصيل قوّة استنباط المطالب من الأخبار، و قوّة نظريّة اخرى؛ لئلّا يأخذ بالأخبار المخالفة للبراهين العقليّة، و مثل هذا الشخص مجتهد في الفروع قطعا، فيحرم عليه التقليد.