هل یجب معرفة التفاصیل
و دعوى جوازه له[4] للضرورة، ليس بأولى من دعوى جواز ترك الاشتغال بالمعرفة التي لا تحصل غالبا بالأعمال المبنيّة على التقليد.
هذا إذا لم يتعيّن عليه الإفتاء و المرافعة لأجل قلّة المجتهدين، و أمّا في مثل زماننا فالأمر واضح.
فلا تغترّ حينئذ بمن قصر استعداده أو همّته عن تحصيل مقدّمات استنباط المطالب الاعتقاديّة الاصوليّة و العمليّة عن الأدلّة العقليّة و النقليّة، فيتركها بغضا لها؛ لأنّ الناس أعداء ما جهلوا، و يشتغل بمعرفة صفات الربّ جلّ ذكره و أوصاف حججه صلوات اللّه و سلامه عليهم، بنظر في الأخبار لا يعرف من ألفاظها الفاعل من المفعول، فضلا عن معرفة الخاصّ من العامّ، و بنظر في المطالب العقليّة لا يعرف به البديهيّات فیها، و يشتغل في خلال ذلك بالتشنيع على حملة الشريعة العمليّة و الاستهزاء بهم بقصور الفهم و سوء النيّة، فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون.
عدم اعتبار معرفة التفاصیل في الاسلام
هذا كلّه حال وجوب المعرفة مستقلا، و أمّا اعتبار ذلك في الإسلام أو الإيمان فلا دليل عليه، بل يدلّ على خلافه الأخبار الكثيرة المفسّرة لمعنى الإسلام أو الإيمان.
ففي رواية محمّد بن سالم، عن أبي جعفر عليه السّلام، المرويّة في الكافي: «إنّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو بمكّة عشر سنين، و لم يمت بمكّة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلّا أدخله اللّه الجنّة بإقراره، و هو إيمان التصديق »؛ فإنّ الظاهر أنّ حقيقة الإيمان التي يخرج الإنسان بها عن حدّ الكفر الموجب للخلود في النار، لم تتغيّر بعد انتشار الشريعة.
نعم، ظهر في الشريعة امور صارت ضروريّة الثبوت من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم، فيعتبر في الإسلام عدم إنكارها، لكنّ هذا لا يوجب التغيّر ؛ فإنّ المقصود أنّه لم يعتبر في الإيمان أزيد من التوحيد و التصديق بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بكونه رسولا صادقا فيما يبلّغ، و ليس المراد معرفة تفاصيل ذلك؛ و إلّا لم يكن من آمن بمكّة من أهل الجنّة أو كان حقيقة الإيمان بعد انتشار الشريعة غيرها في صدر الإسلام.