الاخبار الدلالة علی عدم اعتبار معرفة التفاصیل في الاسلام
و في رواية سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين عليه السّلام: «إنّ أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرّفه اللّه تبارك و تعالى إيّاه فيقرّ له بالطاعة، فیعرّفه نبيّه فيقرّ له بالطاعة، و يعرّفه إمامه و حجّته في أرضه و شاهده على خلقه فيقرّ له بالطاعة، فقلت: يا أمير المؤمنين و إن جهل جميع الأشياء إلّا ما وصفت؟ قال: نعم» ، و هي صريحة في المدّعى.
و في رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «جعلت فداك، أخبرني عن الدين الذي افترضه اللّه تعالى على العباد، ما لا يسعهم جهله و لا يقبل منهم غيره، ما هو؟ فقال: أعد عليّ، فأعاد عليه، فقال: شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا، و صوم شهر رمضان- ثمّ سكت قليلا، ثمّ قال-: و الولاية و الولایة، مرّتين - ثمّ قال-: هذا الذي فرض اللّه عزّ و جلّ على العباد، لا يسأل الربّ«6» عن العباد يوم القيامة، فيقول: أ لا زدتني على ما افترضت عليك، و لكن من زاد زاده اللّه، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سنّ سنّة حسنة ينبغي للناس الأخذ بها».
و نحوها رواية عيسى بن السريّ: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:
حدّثني عمّا بنيت عليه دعائم الإسلام، التي إذا أخذت بها زكى عملي و لم يضرّني جهل ما جهلت بعده؟ فقال: شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و الاقرار بما جاء من عند اللّه، و حقّ في الأموال الزكاة، و الولاية التي أمر اللّه بها ولاية آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله؛ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة، و قال اللّه تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فكان عليّ، ثمّ صار من بعده الحسن، ثمّ من بعده الحسين، ثمّ من بعده عليّ ابن الحسين، ثمّ من بعده محمّد بن عليّ، ثمّ هكذا يكون الأمر؛ إنّ الأرض لا یصلح إلّا بإمام ... الحديث» .
و في صحيحة أبي اليسع: «قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أخبرني عن دعائم الإسلام التي لا يسع أحدا التقصير عن معرفة شيء منها، التي من قصّر عن معرفة شيء منها فسد عليه دينه و لم يقبل منه عمله، و من عرفها و عمل بها صحّ دينه و قبل عمله و لم يضق به ممّا هو فيه لجهل شيء من الامور جهله؟ فقال: شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و الإيمان بأنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و الإقرار بما جاء به من عند اللّه، و حقّ في الأموال الزكاة، و الولاية التي أمر اللّه عزّ و جلّ بها ولاية آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله» .
و في رواية إسماعيل: «قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الدين الذي لا يسع العباد جهله، فقال: الدين واسع، و إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهلهم، فقلت: جعلت فداك أما أحدّثك بديني الذي أنا عليه؟
فقال: بلى، قلت: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و الإقرار بما جاء به من عند اللّه، و أتولّاكم، و أبرأ من عدوّكم و من ركب رقابكم و تأمّر عليكم و ظلمكم حقّكم، فقال: ما جهلت شيئا ، هو و اللّه الذي نحن عليه، فقلت: فهل أسلم أحد لا يعرف هذا الأمر؟
قال: لا، إلّا المستضعفين، قلت: من هم؟ قال: نساؤكم و أولادكم، قال: أ رأيت أمّ أيمن، فإنّي أشهد أنّها من أهل الجنّة، و ما كانت تعرف ما أنتم عليه» .
فإنّ في قوله عليه السّلام «ما جهلت شيئا» دلالة واضحة على عدم اعتبار الزائد في أصل الدين.
المستفاد من هذه الأخبار
و المستفاد من هذه الأخبار المصرّحة بعدم اعتبار معرفة أزيد ممّا ذكر فيها في الدين- و هو الظاهر أيضا من جماعة من علمائنا الأخيار، كالشهيدين في الألفيّة و شرحها ، و المحقّق الثاني في الجعفريّة ، و شارحها ، و غيرهم -: أنّه يكتفي في معرفة الربّ التصديق بكونه موجودا و واجب الوجود لذاته، و التصديق بصفاته الثبوتيّة الراجعة إلى صفتي العلم و القدرة، و نفي الصفات الراجعة إلى الحاجة و الحدوث، و أنّه لا يصدر منه القبيح فعلا أو ترا.
المراد من المعرفة
و المراد بمعرفة هذه الامور: ركوزها في اعتقاد المكلّف، بحيث إذا سألته عن شيء ممّا ذكر، أجاب بما هو الحقّ فيه و إن لم يعرف التعبير عنه بالعبارات المتعارفة على ألسنة الخواصّ.
ما یكفي في معرفة النبيّ
و يكفي في معرفة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم: معرفة شخصه بالنسب المعروف المختصّ به، و التصديق بنبوّته و صدقه، فلا يعتبر في ذلك الاعتقاد بعصمته، أعني كونه معصوما بالملكة من أوّل عمره إلى آخره.
قال في المقاصد العليّة: و يمكن اعتبار ذلك؛ لأنّ الغرض المقصود من الرسالة لا يتمّ إلّا به، فينتفي الفائدة التي باعتبارها وجب إرسال الرسل. و هو ظاهر بعض كتب العقائد المصدّرة بأنّ من جهل ما ذكروه فيها فليس مؤمنا مع ذكرهم ذلك. و الأوّل غير بعيد من الصواب ، انتهى.