المراد من کتب العقائد
أقول: الظاهر أنّ مراده ببعض كتب العقائد هو الباب الحادي عشر للعلّامة قدّس سرّه حيث ذكر تلك العبارة، بل ظاهره دعوى إجماع العلماء عليه .
نعم، يمكن أن يقال: إنّ معرفة ما عدا النبوّة واجبة بالاستقلال على من هو متمكّن منه بحسب الاستعداد و عدم الموانع؛ لما ذكرنا: من عمومات وجوب التفقّه و كون المعرفة أفضل من الصلوات الواجبة، و أنّ الجهل بمراتب سفراء اللّه جلّ ذكره مع تيسّر العلم بها تقصير في حقّهم، و تفريط في حبّهم، و نقص يجب بحكم العقل رفعه ، بل من أعظم النقائص.
و قد أومأ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى ذلك حيث قال- مشيرا إلى بعض العلوم الخارجة عن العلوم الشرعيّة-: «إنّ ذلك علم لا يضرّ جهله.
- ثمّ قال:- إنّما العلوم ثلاثة: آية محكمة و فريضة عادلة و سنّة قائمة، و ما سواهنّ فهو فضول».
و قد أشار إلى ذلك رئيس المحدّثين في ديباجة الكافي، حيث قسّم الناس إلى أهل الصحّة و السلامة و أهل المرض و الزمانة، و ذكر وضع التكليف عن الفرق الأخيرة .
ما يكتفي في معرفة الأئمّة
و يكتفي في معرفة الأئمّة صلوات اللّه عليهم: بنسبهم المعروف و التصديق بأنّهم أئمّة يهدون بالحقّ و يجب الانقياد إليهم و الأخذ منهم.
و في وجوب الزائد على ما ذكر من عصمتهم الوجهان.
و قد ورد في بعض الأخبار: تفسير معرفة حقّ الإمام عليه السّلام بمعرفة كونه إماما مفترض الطاعة .
ما يكفي في التصديق بما جاء النبيّ
و يكفي في التصديق بما جاء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم: التصديق بما علم مجيئه متواترا، من أحوال المبدأ و المعاد، كالتكليف[9] بالعبادات و السؤال في القبر و عذابه و المعاد الجسمانيّ و الحساب و الصراط و الميزان و الجنّة و النار إجمالا، مع تأمّل في اعتبار معرفة ما عدا المعاد الجسمانيّ من هذه الامور في الإيمان المقابل للكفر الموجب للخلود في النار؛ للأخبار المتقدّمة ، و السيرة المستمرّة؛ فإنّا نعلم بالوجدان جهل كثير من الناس بها من أوّل البعثة إلى يومنا هذا.
و يمكن أن يقال: إنّ المعتبر هو عدم إنكار هذه الامور و غيرها من الضروريّات، لا وجوب الاعتقاد بها، على ما يظهر من بعض الأخبار، من أنّ الشاكّ إذا لم يكن جاحدا فليس بكافر؛ ففي رواية زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا، لم يكفروا» ، و نحوها غيرها .
و يؤيّدها: ما عن كتاب الغيبة للشيخ قدّس سرّه بإسناده عن الصادق عليه السّلام: «إنّ جماعة يقال لهم الحقّيّة، و هم الذين يقسمون بحقّ عليّ و لا يعرفون حقّه و فضله، و هم يدخلون الجنّة» .
ما يكفي في الإيمان
و بالجملة : فالقول بأنّه يكفي في الإيمان الاعتقاد بوجود الواجب الجامع للكمالات المنزّه عن النقائص و بنبوّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و بإمامة الأئمّة ، و البراءة من أعدائهم و الاعتقاد بالمعاد الجسمانيّ الذي لا ينفكّ غالبا عن الاعتقادات السابقة، غير بعيد؛ بالنظر إلى الأخبار و السيرة المستمرّة.
و أمّا التديّن بسائر الضروريّات، ففي اشتراطه، أو كفاية عدم إنكارها، أو عدم اشتراطه أيضا، فلا يضرّ إنكارها إلّا مع العلم بكونها من الدين ، وجوه أقواها الأخير، ثمّ الأوسط.
و ما استقربناه في ما يعتبر في الإيمان وجدته بعد ذلك في كلام محكيّ عن المحقّق الورع الأردبيليّ في شرح الإرشاد .
ثمّ الكلام إلى هنا في تميّز القسم الثاني- و هو ما لا يجب الاعتقاد به إلّا بعد حصول العلم به- عن القسم الأوّل، و هو ما يجب الاعتقاد به مطلقا فيجب تحصيل مقدّمته ، أعني الأسباب المحصّلة للاعتقاد، و قد عرفت : أنّ الأقوى عدم جواز العمل بغير العلم في القسم الثاني.