المراد من رفع الحسد
؛ وَ سَيَأتِي فِي رِوَايَةِ الخِصَالِ:
«إِنَّ المُؤمِنَ لَا يَستَعمِلُ حَسَدَهُ» ؛ وَ لِأَجلِ ذَلِكَ عَدَّ فِي الدُرُوسِ مِنَ الكَبَائِرِ- فِي بَابِ الشَهَادَةِ- إِظهَارَ الحَسَدِ، لَا نَفسَه، وَ فِي الشَرَائِعِ:
إِنَّ الحَسَدَ مَعصِيَةٌ وَ كَذَا الظَنُّ بِالمُؤمِنِ، وَ التَظَاهُرُ بِذَلِكَ قَادِحٌ فِي العَدَالَةِ.
وَ الإِنصَافِ: أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِن أَخبَارِ الحَسَدِ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ.
المراد من الطیرة
وَ أَمَّا «الطِيَرَةُ»- بِفَتحِ اليَاءِ، وَ قَد يُسَكَّنُ-: وَ هِيَ فِي الأَصلِ التَشَؤُّمِ بِالطَيرِ؛ لِأَنَّ أَكثَرَ تَشَؤُّمِ العَرَبِ كَانَ بِهِ، خُصُوصاً الغُرَابَ.
وَ المُرَادُ: إِمَّا رَفعُ المُؤَاخَذَةِ عَلَيهَا؛ وَ يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ مِن: «أَنَّ الطِيَرَةَ شِركٌ وَ إِنَّمَا يُذهِبُهُ التَوُكُّلُ»، وَ إِمَّا رَفعُ أَثَرِهَا ؛ لِأَنَّ الطَيرَ كَانَ يَصُدُّهُم عَن مَقَاصِدِهِم، فَنَفَاهُ الشَرعُ.
المراد من الوسوسة في الخلق
وَ أَمَّا «الوَسوَسَةُ فِي التَفَكُّرِ فِي الخَلقِ» كَمَا فِي النَبَوِيِّ الثَانِي، أَوِ «التَفَكُّرِ فِي الوَسوَسَةِ فِيهِ» كَمَا فِي الأَوَّلِ، فَهُمَا وَاحِدٌ، وَ الأَوَّلُ أَنسَبُ، وَ لَعَلَّ الثَانِي اشتِبَاهٌ مِنَ الرَاوِي.
وَ المُرَادُ بِهِ- كَمَا قِيلَ-: وَسوَسَةُ الشَيطَانِ لِلاِنسَانِ عِندَ تَفَكُّرِهِ فِي أَمرِ الخِلقَةِ؛ وَ قَدِ استَفَاضَتِ الأَخبَارُ فِي العَفوِ عَنهُ.
فَفِي صَحِيحَةِ جَمِيلِ بنِ دَرَّاجِ، قُلتُ لِأَبِي عَبدِ اللَّهِ عَلَیهِ السَلَام :«إِنَّهُ يَقَعُ فِي قَلبِي أَمرٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ عَلَیهِ السَلَام : قُل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ جَمِيلُ: فَكُلَّمَا وَقَعَ فِي قَلبِي شَيء ٌقُلتُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَذَهَبَ عَنِّي».
وَ فِي رِوَايَةِ حَمرَانَ عَن أَبِي عَبدِ اللَّهِ عَلَیهِ السَلَام ، عَنِ الوَسوَسَةِ وَ إِن كَثُرَت، قَالَ: «لَا شَيءَ فِيهَا، تَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
وَ فِي صَحِيحَةِ مُحَمَّدِ بنِ مُسلِمٍ، عَن أَبِي عَبدِ اللَّهِ عَلَیهِ السَلَام : «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَبِيِّ صَلَی اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي هَلَكتُ، فَقَالَ : صَلَی اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ أَتَاكَ الخَبِيثُ فَقَالَ لَكَ: مَن خَلَقَكَ؟َ فَقُلتَ: اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ: مَن خَلَقَهُ؟ فَقَالَ: إِي وَ الَذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ قَالَ كَذَا، فَقَالَ صَلَی اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ: ذَاكَ وَ اللَّهِ مَحضُ الإِيمَانِ».
قَالَ ابنُ أَبِي عُمَيرِ: فَحَدَّئثُ ذَلِكَ عَبدَ الرَحمَنِ بنِ الحَجَّاجِ، فَقَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي، عَن أَبِي عَبدِ اللَّهِ عَلَیهِ السَلَام: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَی اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ: إِنَّمَا عَنَى بِقَولِهِ:" مَحضُ الإِيمَانِ" خَوفَهُ أَن يَكُونَ قَد هَلَكَ حَيثُ عَرَضَ فِي قَلبِهِ ذَلِكَ».
وَ فِي رِوَايَةٍ اُخرَى عَنهُ صَلَی اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ: «وَ الَّذِي بَعَثَنَي بِالحَقِّ إِنَّ هَذَا لَصَرِيحُ الإِيمَانِ، فَإِذَا وَجَدتمُوهُ فَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ، وَ لَا حَولَ و َلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».
وَ فِي رِوَايَةٍ اُخرَى عَنهُ صَلَی الله عَلَیهِ وَ آلِهِ: «إِنَّ الشَيطَانَ أَتَاكُم مِن قِبَلِ الأَعمَالِ فَلَم يَقوَ عَلَيكُم، فَأَتَاكُم مِن هَذَا الوَجهُ لِكَي يَستَزِلَّكُم، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَليَذكُر أحَدُكُم اللَّهَ وَحدَهُ».
وَ يَحتَمِلُ أَن يُرَادَ بِالوَسوَسَةِ فِي الخَلقِ: الوَسوَسَةِ فِي اُمُورِ النَاسِ وَ سُوءُ الظَنِّ بِهِم، وَ هَذَا أَنسَبُ بِقَولِهِ: «مَا لَم يَنطِق بِشَفَتِهِ».
ثُمَّ هَذَا الَذِي ذَكَرنَا هُوَ الظَاهِرُ المَعرُوفُ فِي مَعنَى الثَلَاثَةِ الأَخِيرَةِ المَذكُورَةِ فِي الصَحِيحَةِ.
وَ فِي الخِصَالِ بِسَنَدٍ فِيهِ رَفعٌ، عَن أَبِي عَبدِ اللَّهِ عَلَیهِ السَلَام : «قَالَ: ثَلَاثٌ لَم يَعرَ مِنهَا نَبِيٌّ فَمَنَ دُونَهُ: الطِيَرَةُ، وَ الحَسَدُ، وَ التَفَكُّرُ فِي الوَسوَسَةِ فِي الخَلقِ».
وَ ذَكَرَ الصَدُوقُ; فِي تَفسِيرِهَا: أَنَّ المُرَادَ بِالطِيَرَةِ التَطَيُّرِ بِالنَبِيِّ صَلَی اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ أَوِ المُؤمِنِ، لَا تَطَيُّرُهُ؛ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنِ الكُفَّارِ وَ:( قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ).
وَ المُرَادُ بِــ «الحَسَدِ» أَن يُحسَدَ، لَا أَن يَحسُدَ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ).
وَ المُرَادُ بِــ «التَفَكُّرِ» ابتِلَاءِ الأَنبِيَاءِ عَلَیهِمُ السَلَام بِأَهلِ الوَسوَسَةِ، لَا غَيرَ ذَلِكَ؛ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنِ الوَلِيدِ بنِ مُغَيرَةَ: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) ، فَافهَم.
قَد خَرَجنَا فِي الكَلَامِ فِي النَبَوِيِّ الشَرِيفِ عَمَّا يَقتَضِيهِ وَضعُ الرِسَالَةِ.