الجواب الثاني عن الوجه الاول
وَثَانِيًا: سَلَّمْنَا التَّكْلِيفَ الْفِعْلِيَّ بِالْمُحَرَّمَاتِ الْوَاقِعِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ مِنَ الْمُقَرَّرِ فِي الشُّبْهَةِ الْمَحْصُورَةِ ـ كَمَا سَيَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ـ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ فِي الشُّبُهَاتِ الْمَحْصُورَةِ وُجُوبُ الِاجْتِنَابِ عَنْ جُمْلَةٍ مِنْهَا لِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ التَّكْلِيفِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَعْلُومِ الْإِجْمَالِيِّ، اقْتَصَرَ فِي الِاجْتِنَابِ عَلَى ذٰلِكَ الْقَدْرِ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَعْلُومِ الْإِجْمَالِيِّ هُوَ هٰذَا الْمِقْدَارُ الْمَعْلُومُ حُرْمَتُهُ تَفْصِيلًا، فَأَصَالَةُ الْحِلِّ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ غَيْرُ مُعَارَضَةٍ بِالْمِثْلِ، سَوَاءً كَانَ ذٰلِكَ الدَّلِيلُ سَابِقًا عَلَى الْعِلْمِ الْإِجْمَالِيِّ ـ كَمَا إِذَا عُلِمَ نَجَاسَةُ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ تَفْصِيلًا، فَوَقَعَتْ قَذَرِةٌ فِي أَحَدِهِمَا الْمَجْهُولِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الِاجْتِنَابُ عَنِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ أَحَدِهِمَا مَعْلُومَةٌ تَفْصِيلًا ـ، أَمْ كَانَ لَاحِقًا، كَمَا فِي مِثَالِ الْغَنَمِ الْمَذْكُورِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ الْإِجْمَالِيَّ غَيْرُ ثَابِتٍ بَعْدَ الْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ بِحُرْمَةِ بَعْضِهَا بِوَاسِطَةِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَةِ، وَسَيَجِيءُ تَوْضِيحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هٰذَا الْقَبِيلِ.
الوجه الثاني اصالةة الحظر في الافعال
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَفْعَالِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ الْحَظْرُ، كَمَا نُسِبَ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ، فَيُعْمَلُ بِهِ حَتَّى يَثْبُتَ مِنَ الشَّرْعِ الْإِبَاحَةُ، وَلَمْ يَرِدِ الْإِبَاحَةُ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَمَا وَرَدَ ـ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ دَلَالَتِهِ ـ مُعَارَضٌ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْأَمْرِ بِالتَّوَقُّفِ وَالِاحْتِيَاطِ، فَالْمَرْجِعُ إِلَى الْأَصْلِ.
وَلَوْ نَزَلْنَا عَنْ ذٰلِكَ، فَالْوَقْفُ، كَمَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُمَا. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ فِي الْعُدَّةِ: بِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى مَا لَا يُؤْمَنُ الْمَفْسَدَةَ فِيهِ كَالْإِقْدَامِ عَلَى مَا يُعْلَمُ الْمَفْسَدَةَ فِيهِ.
وَقَدْ جَزَمَ بِهٰذِهِ الْقَضِيَّةِ السَّيِّدُ أَبُو الْمَكَارِمِ فِي الْغُنْيَةِ، وَإِنْ قَالَ بِأَصَالَةِ الْإِبَاحَةِ، مَفْسَدَةٌ لَوَجَبَ عَلَى الْحَكِيمِ بَيَانُه.
لَكِنْ رَدَّهَا فِي الْعُدَّةِ: بِأَنَّهُ قَدْ یَكُونُ الْمَفْسَدَةُ فِي الْإِعْلَامِ، وَیَكُونُ الْمَصْلَحَةُ فِي كَوْنِ الْفِعْلِ عَلَى الْوَقْفِ.