فالعاصي والمتجرّي كلاهما مشتركان في مخالفة أوامر الشارع إلاّ أنّ مخالفة العاصي تعدّ معصيته حقيقةً محكومة بالقبح فعلاً وفاعلاً وتوجب العقوبة قطعاً ، ومخالفة المتجرّي في حكم المعصية محكوماً بالقبح فاعلاً فقط لا فعلاً ، والكلام في أنّ الشارع هل يعاقبه على مخالفة قطعه أم لا ؟ سيجيء في المباحث الآتية .
أقوال الأعاظم في التجري
والجدير بالذكر نقل الأقوال في المسألة إجمالاً فنقول : الأقوال فيها خمسة :
أحدها : القول بالحرمة مطلقاً ، ونسبه المصنّف رحمهالله إلى المشهور في ما سيأتي منه عن قريب . وهو الذي اختاره المحقّق الخراسانيّ رحمهالله 3⃣
ثانيها : القول بعدم الحرمة مطلقاً ، وهو مختار المصنّف رحمهالله على ما سيظهر من مجموع كلماته 4⃣ ، وانتظر توضيحه مفصّلاً5⃣
ثالثها : التفصيل بين صورة كشف الخلاف وعدمه ، فتثبت العقوبة في الصورة الأخيرة ، ولا تثبت في الصورة الاُولى ، وهو الذي اختاره العلاّمة ـ أعلى اللّه مقامه ـ في التذكرة۶.
ورابعها : التوقّف ـ أي التوقّف عن الفتوى ـ نفياً وإثباتاً ، كما ذهب إليه العلاّمة رحمهالله في النهاية۷والشيخ البهائيّ رحمهالله في الزُبدة۸ .
خامسها : التفصيل بين الموارد بثبوت الحرمة واستحقاق العقوبة في موردٍ ونفيها في موردٍ آخر ، ويعبّر عنه اصطلاحاً بالوجه والاعتبار ، وهذا هو المذهب المختار عند صاحب الفصول رحمهالله ۹ ، وسيجيء مفصّلاً توضيحه والردّ عليه إن شاء اللّه في محلّه.
والحاصل : أنّ إعمال الجرأة وعدم المبالاة من العبد وعدم خوفه من مولاه والإقدام منه على مخالفته المعبّر عنه اصطلاحاً بالتجرّي قد وقع الخلاف فيه والكلام بين الأعاظم والأعلام من قديم الأيّام من جهات متعدّدة اُصولاً وفقهاً وكلاماً وغيرها ، وإن شئت توضيحها مفصّلاً ، فراجع إلى كلام المحقّق النائينيّ رحمهالله ۱۰